عزيزي القارئ، اتكلم اليوم عن مرض اقتحم حياتنا، وهو السيولة المعلوماتية، إحدى تحديات العصر الحديث. فالإنسان يتلقى تدفقا دائما من المعلومات والصور دون ثبات أو عمق، مما يجعله يفقد القدرة على التمييز والاختيار، ويصبح كالعجين سهلا لينا، ويمكن اعتباره فريسة سهلة للاصطياد من أصحاب الغرض، وخاصة في الحقبة التي تشهد ثورة علمية متعددة المعلومات والسرعات الزمنية وبخاصة في العلوم الإنسانية وكافة الفروع الأخرى عبر المواقع الإلكترونية.
نعم، فكل مساحة ذهنية تترك بلا توجيه تتحول تلقائيا الى مساحة قابلة للاختراق. فالفراغ الرقمي خطر خفي، خاصة في عصر الميديا المضيئة والتواصل المستمر، حيث التصفح بلا هدف، والمحتوى بلا قيمة، والتفاعل الذي يقاس بالأرقام لا بالأثر، وهي مظاهر يمكن تسميتها بالفراغ الإلكتروني.
عزيزي القارئ هذا الفراغ يتسلل إلى عالمنا بهدوء، ويترك مساحة ذهنية بلا إدارة، فيحول الحضور الرقمي إلى غياب حقيقي عن التفكير، والسؤال، وأي فعل يضيف للإنسان أو للمجتمع. السيولة المعلوماتية الحديثة تجعل الإنسان يعيش في تدفق دائم من المعلومات بلا توقف، بلا استقرار، بلا عمق، وهو ما يجعلنا أكثر قابلية للتأثر والتشكيل من الخارج. وهنا القاعدة الذهبية: كل فراغ ذهني غير مدار هو مساحة جاهزة للاختراق.
نصعد الهرم الذهبي من البعد النفسي، وهو إدمان بلا متعة. الفراغ الإلكتروني لا يمنح الراحة النفسية كما يظن البعض، بل يخلق دائرة مغلقة من القلق والتوتر. حين يدخل الإنسان إلى هاتفه بحثا عن تسلية أو هروب مؤقت من ضغوط الحياة، يخرج أكثر إرهاقا، وأقل رضا، وأضعف قدرة على التركيز.
للأسف، هذا النوع من الفراغ يصنع عالما افتراضيا، ويتحول مع الوقت إلى عادات تلقائية، ومع التكرار تصبح إدمانا يستهلك الطاقة دون أن يضيف قيمة. أشارت بعض الدراسات في الولايات المتحدة وكندا إلى وجود علاقة مباشرة بين الاستخدام غير الواعي للمنصات الرقمية وارتفاع معدلات القلق واضطرابات النوم، وانخفاض القدرة على الصبر والتركيز، خصوصا بين الشباب. وخلصت النتائج إلى أن الفراغ الإلكتروني لا يسرق الوقت فقط، بل يضعف الإرادة، ويجعل الإنسان أقل قدرة على مقاومة إغراءات الميديا المتطورة.
ننتقل إلى البعد الثاني من الهرم الذهبي، البعد الاجتماعي، فنجد تواصلا بلا علاقة، أدى إلى هشاشة العلاقات الإنسانية. نتبادل التعليقات، نشارك الآراء، ونغرق في جدالات محتدمة، لكننا ننسى أن خلف كل شاشة إنسانا له مشاعر وحدود.
الفراغ الإلكتروني فكك الروابط الاجتماعية، وحوّل الحوار إلى صراع، والاختلاف إلى خصومة، والقيمة الإنسانية إلى مجرد ترند. أصبحنا نعرف أخبار الغرباء لحظة بلحظة، بينما نجهل أحوال الأقربين. أدركت دول مثل اليابان خطورة العزلة الإلكترونية على الشباب، فأطلقت برامج لإعادة دمجهم في أنشطة مجتمعية وواقعية، ما ساعد في تخفيف التوتر وبناء روابط إنسانية أقوى. حين لا ندير الفراغ، سيديره غيرنا بالنيابة عنا.
أما عن البعد الثالث من الهرم الذهبي، البعد الثقافي والمعرفي، فيتميز بهشاشة الإدراك وسرعة الانفعال. ففي الفراغ الإلكتروني تنتشر المعلومة بلا سياق، والرأي بلا قراءة، والتحليل في ثوان، ما يعرض الإنسان للتوجيه والإقناع بسهولة، ويظن أنه مثقف لأنه يطالع عناوين كثيرة، بينما هو مجرد مستهلك للسطحيات.
دول مثل فنلندا والسويد أدخلت برامج التربية الإعلامية ضمن المناهج لتعليم الطلاب كيفية التفكير في المعلومة قبل استهلاكها، والتمييز بين الحقيقة والزيف. أظهرت هذه التجارب قدرة البرامج على بناء وعي نقدي قادر على مواجهة التضليل الرقمي. المعلومة بلا فهم، والرأي بلا قراءة، هو بداية وعي هش وسريع الانفعال. وكما قيل، الوسيلة هي الرسالة، فإذا كانت الوسيلة سطحية انعكس ذلك على مضمون الرسالة وعمقها.
كلما صعدنا الهرم الذهبي، كان البعد القيمي والديني، حيث يشبه الفراغ بالخسارة. فالفراغ الرقمي لا يهاجم القيم مباشرة، لكنه يفرغها من معناها. ما كان غير مقبول أصبح عاديا، وما كان مرفوضا تحول إلى حرية مصطنعة، فتغيب القيم أمام سطوة الانشغال الرقمي.
الدين يحذرنا من هذا النوع من الفراغ، كما في قوله تعالى: “والعصر إن الانسان لفي خسر”، وكقول النبي الكريم: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ”. الفراغ الإلكتروني مزدحم، لكنه يفرغ الإنسان من داخله، ويجعله فريسة سهلة لأي محتوى مضلل أو سلوك ضار.
الإمارات والسعودية أطلقتا حملات لتوعية الشباب بدور القيم والدين في الحياة الرقمية، مؤكدة أن الفراغ الذهني بلا هدف أخطر من أي وقت فارغ يقضى بلا جدوى. “الفراغ أخطر حين يكون مزدحما”.
قمة الهرم الذهبي، البعد السياسي والإعلامي، حيث تعد السياسة والإعلام من أكثر المجالات حساسية أمام الفراغ الذهني، مع انتشار الشائعات وتعدد مصادرها، وسهولة التشكيك من أصحاب الغرض، وتمرير الرسائل المضللة دون مقاومة. الإعلام غير المهني والمحتوى الرقمي السطحي يضاعف المشكلة لأنه يملأ الفراغ بالمعلومات الخاطئة.
ونجد دول مثل المانيا أنشأت وحدات لمواجهة الأخبار المضللة بينما ركزت كوريا الجنوبية على تعليم الشباب التحقق من مصادر المعلومات ما خفض قدرة الجهات الخارجية على التأثير في الرأي العام.
في مصر، وجهت القيادة السياسية بإطلاق حملات إعلامية وتثقيفية لمكافحة الشائعات، وبناء منصات موثوقة للمعلومة الصحيحة، مؤكدة أن بناء الإنسان وتحصين وعيه هو خط الدفاع الأول. الدول لا تخترق بالسلاح وحده، بل حين تترك العقول بلا معنى.
وعهدكم بي لا بد من إدراك الواقع، فتوصياتي العملية لإدارة الفراغ الإلكتروني تنطلق من التركيز على المحتوى الذي يضيف قيمة، لا المرور السريع على الضجيج. إعادة بناء المحتوى الرقمي من حيث إنتاج محتوى قيم علميا وثقافيا موثوقا يملأ الفراغ، ودراسة وتعليم التفكير النقدي البناء، وادراج برامج التربية الإعلامية والمعلوماتية في المدارس والجامعات كما في تجارب فنلندا والمانيا.تشجيع المشاركة المجتمعية الواقعية وتحويل الوقت من الشاشة إلى أنشطة فعلية كما فعلت اليابان، والتنسيق بين الإعلام والدولة، عبر توفير منصات موثوقة ونشر الوعي الوطني، عنصر أساسي لحماية العقل الجمعي.
رفع منحنى الوعي لدى المواطن يبدأ من إدارة الفراغ. كل مساحة ذهنية تترك بلا معنى تتحول إلى فرصة للفوضى، وكل وقت غير مدار خسارة قبل أن يكون حرية. لا نحتاج إلى إنترنت أقل، بل إلى وعي أكثر، ولا إلى إغلاق الشاشات، بل إلى فتح العقول. الفراغ الإلكتروني لا يهزم بالمنع، بل بالمعنى، وبالحضور الواعي، وبالمحتوى الذي يبني الإنسان ولا يستنزفه.
تؤكد توجيهات القيادة السياسية في مصر "الوعي وبناء الإنسان هو خط الدفاع الأول وحصن المجتمع ضد أي محاولات اختراق فكري أو تضليل إعلامي”. كما أكدت "لسنا بحاجة إلى شاشات أقل بل إلى وعي أكثر ولحماية وطننا علينا إدارة الفراغ قبل أن يديرنا.