بينما يمكن للجميع أن يتفهموا سر حب الرجال لاقتناء الأرض واعتزازهم بها، يقفوا طويلاً أمام تلك العلاقة العميقة بين المرأة والذهب. ذلك العنصر النفيس القادر على إسعادها وإرضائها ومنحها شعورًا بالأمان بالإضافة إلى شعور بالزهو والثقة والأنوثة. ذلك المعدن النادر الذي تعتبره كثير من النساء لغة حب، وفي الوقت نفسه يمكن أن تفضله على الحب! وتعتبر تقديمه لها كهدية دلالة على مكانتها لدى الرجل، وتستعرضه بفخر لإثبات مكانتها وقيمتها. لذا حاولنا تتبع تاريخ وسر العلاقة المعقدة التي تربط المرأة بالذهب.
من قدسية الآلهة إلى تيجان الملكات
تعود جذور ارتباط المرأة بالذهب إلى الحضارات القديمة، حيث اعتبر مادة مقدسة لا تفنى. في مصر القديمة ارتدته الملكات مثل حتشبسوت ونفرتيتي كوسيلة للحماية الروحية وضمان الخلود، لا لمجرد الزينة. وصممت الحلي آنذاك محملة بالرموز الدينية، لتكون جزءًا من الحياة اليومية والعقيدة الجنائزية في آن واحد.
وفي الهند ارتبط الذهب بالإلهة "لاكشمي"، رمز الجمال والثراء والبركة، ما رسخ فكرة أن امتلاك المرأة للذهب ضمان للازدهار والاستقرار الأسري. ومع مرور الزمن، تحولت هذه المعتقدات إلى ثقافة راسخة، جعلت من النساء الهنديات اليوم من أكبر مالكي الذهب على مستوى العالم.

سر عشق النساء للذهب
الذهب في المجتمعات العربية ودلالته الاجتماعية
في المجتمعات العربية والشرقية، تجاوز الذهب كونه حليًا شخصية ليصبح أداة تواصل اجتماعي صامتة. فكمية الذهب ونوعه يحملان دلالات عن الحالة الاجتماعية ومكانة الأسرة. في الأعراس، يتصدر الذهب مشهد "الشبكة" و"المهر" بوصفه اعترافًا بقيمة المرأة وتكريمًا لها، وتأكيدًا على توفير الأمان لها داخل منظومة الأسرة.
وتختلف أشكال الحلي الذهبية باختلاف الجغرافيا، من "الكردان" في مصر الذي يعكس الأصالة والريف، إلى "المرتعشة" في الخليج التي ترتبط بالبحر والتجارة، و"الخميسة" في المغرب العربي التي تمزج الجمال بالمعتقد الشعبي.

الكردان المصري
الزينة والخزينة.. فلسفة اقتصادية نسوية
يختصر المثل الشعبي "الذهب زينة وخزينة" النظرة الاقتصادية العميقة للمرأة تجاه هذا المعدن. فالذهب يمثل بنكًا متنقلًا وملاذًا آمنًا، خصوصًا في المجتمعات التي قد تواجه فيها النساء صعوبات في امتلاك الأراضي أو الوصول للخدمات المصرفية. امتلاك الذهب يمنح المرأة استقلالًا ماليًا وقوة تفاوضية داخل الأسرة، ويشكل ضمانة في أوقات الأزمات.
ومع تقلبات العملات وارتفاع معدلات التضخم، أثبت الذهب أنه أكثر الأصول استقرارًا عبر التاريخ، ما جعله أداة ذكية لحماية المستقبل وتأمين الأبناء والشيخوخة.

الذهب زينة وخزينة
البعد النفسي والعاطفي لارتباط النساء بالذهب
على المستوى النفسي، لا ينفصل الذهب عن مشاعر الثقة والسعادة. فأظهرت بعض الدراسات في علم النفس الاجتماعي أن ارتداء الذهب يحفز مراكز السعادة في الدماغ، حيث يرتبط بريقه ولونه بالشمس والطاقة الإيجابية. كما يمنح الذهب للمرأة شعوراً بالثقة بالنفس والرضا عن الذات. وغالبًا ما ترتبط قطع الذهب بمحطات سعيدة في حياتها، مثل الزواج أو النجاح أو الولادة الجديدة.كما يلعب الذهب دورًا عاطفيًا عابرًا للأجيال، إذ تنتقل القطع الذهبية من الأم إلى الابنة محملة بالذكريات والتجارب، ما يجعل التفريط فيها قرارًا بالغ الصعوبة، لا يتخذ إلا في أضيق الظروف.