جيل "الجمهورية الجديدة" خلف عجلة القيادة.. جولة "اليوم السابع" داخل مدينة مرور الطفل.. هنا تٌزرع الأخلاق قبل القيادة.. شوارع ذكية وسيارات صغيرة وأحلام كبيرة..يتعلم الأطفال فنون الالتزام المروري في مدينة "المستقبل"
في خطوة تجسد مفهوم بناء الإنسان الذي تنتهجه الدولة في "الجمهورية الجديدة"، لم يعد الاهتمام بالأمن المروري مقتصرًا على تحديث شبكات الطرق والكباري أو تشديد الرقابة بالرادارات الحديثة فحسب، بل امتدت يد التطوير لتستهدف "العقل" قبل "العجلة".
"اليوم السابع" ترصد كواليس تدريب أطفال مصر على فنون الالتزام المروري
ومن هذا المنطلق، أجرت "اليوم السابع" جولة استقصائية وميدانية داخل إحدى المدن المرورية المتطورة المخصصة للأطفال، والتي تعد بمثابة أكاديمية تعليمية وتربوية متكاملة، تهدف إلى تخريج جيل يدرك أن القيادة ليست مجرد وسيلة للانتقال، بل هي فن وذوق وأخلاق والتزام صارم بالقانون.
بمجرد عبور بوابات المدينة، يجد الزائر نفسه أمام نموذج مصغر لمدينة عصرية متكاملة، حيث الشوارع المرصوفة بدقة، والخطوط الأرضية التي تفصل بين المسارات، والإشارات الضوئية التي تعمل بنظام آلي يحاكي الواقع تماماً.
تبدأ التجربة من "قاعة الوعي"، وهي غرفة مجهزة بأحدث الوسائل التكنولوجية والشاشات التفاعلية، حيث يستمع الأطفال لشرح مبسط من ضباط متخصصين وأخصائيين تربويين حول أهمية الطريق.
يتم تقديم المعلومات هنا ليس كأوامر جافة، بل كقصص مشوقة تتحدث عن "لغة الطريق"، وكيف أن العلامات المرورية هي وسيلة تواصل بين البشر تضمن سلامة الجميع.
يتعلم الصغار في هذا القسم معاني الألوان الثلاثة التي تحكم العالم، وكيف أن الضوء الأحمر ليس مجرد وقوف، بل هو احترام لحق الآخر في المرور.
وعقب انتهاء الجلسة النظرية، تبدأ المرحلة الأكثر إثارة وتشويقاً، حيث ينتقل الأطفال إلى "ساحة التطبيق" ليتسلم كل منهم سيارته الصغيرة التي تعمل بالطاقة النظيفة، لتبدأ معها أول تجربة قيادة حقيقية في حياتهم.
في هذه اللحظة، تتحول الملامح الطفولية إلى ملامح تتسم بالتركيز والجدية، حيث يجد الطفل نفسه مطالباً بالالتزام بمساره، ومراعاة عبور المشاة في المناطق المخصصة، والتوقف التام عند إشارات المرور.
إنها تجربة نفسية عميقة، تكسر حاجز الرهبة وتغرس في وجدان الطفل أن الطريق ملكية عامة، وأن أي خطأ صغير قد يعطل حركة الحياة أو يؤدي إلى كارثة، وهو الدرس الذي يظل محفوراً في ذاكرتهم لسنوات طويلة.
خلال جولتنا، رصدنا كيف يتعامل الأطفال مع "عسكري المرور" الصغير أو الزميل الذي يقود في المسار المجاور، حيث تبرز هنا قيم الإيثار والصبر، وهي سلوكيات تفتقدها الكثير من الشوارع الحقيقية حالياً.
إن المدينة المرورية ليست مجرد ملاهي للأطفال، بل هي مختبر اجتماعي يعيد صياغة الشخصية المصرية، فالطفل الذي يتعلم اليوم أن احترام "خط المشاة" هو واجب إنساني، لن يكون في المستقبل ذلك السائق الذي يسير عكس الاتجاه أو يتجاوز السرعات المقررة.
كما أن هذه المدن تساهم بشكل مباشر في تقليل الفجوة بين المواطن وجهاز الشرطة، حيث يرى الطفل في ضابط المرور الصديق الذي يوجهه ويحمي حياته، وليس مجرد مانح للمخالفات.
وفي سياق متصل، تأتي هذه المبادرات كجزء من رؤية شاملة لوزارة الداخلية لتطوير المنظومة المرورية، حيث تم ربط هذه المدن التعليمية بمنظومة التحول الرقمي، مما يتيح للأطفال تجربة استخراج "رخصة قيادة رمزية" بعد اجتياز الاختبارات العملية والنظرية داخل المدينة.
هذه الرخصة، رغم كونها شرفية، إلا أنها تمثل للطفل صكاً للالتزام، يفتخر به أمام أقرانه وعائلته، مما يحفزه على لعب دور "الرقيب الصغير" داخل سيارة والده في الواقع.
وقد أكد العديد من أولياء الأمور لـ "اليوم السابع" أن أبناءهم باتوا أكثر وعياً وانتباهاً لتصرفات الكبار خلف المقود، وأصبحوا يطلقون التنبيهات إذا ما لاحظت أعينهم الصغيرة أي تجاوز لقواعد السلامة من قِبل آبائهم.
خبراء يشيدون بالمدن المرورية
يقول الخبير المروري، أيمن عبد القادر، إن الاستثمار في وعي الأطفال هو الاستثمار الحقيقي الذي يضمن استدامة الطفرة الإنشائية التي تشهدها مصر حالياً فبناء الكباري والمحاور العملاقة يحتاج إلى "عقلية مرورية" تتناسب مع هذا التطور، وهو ما تفعله بالضبط هذه المدن المرورية التي تم توزيعها في مختلف المحافظات والمناطق الحيوية لضمان وصول الخدمة لكل طفل مصري.
ويقول الخبير الأمني عمرو الشرقاوي، إننا أمام رؤية وطنية شاملة لا تكتفي بوضع القوانين، بل تبحث عن جذور المشكلة المرورية وتعالجها عبر غرس ثقافة الالتزام في "جيل الغد"، ليصبح الطريق في مصر ساحة للأمان والتحضر، وليس مكاناً للفوضى أو الحوادث.
إن تجربة المدينة المرورية للأطفال هي رسالة لكل بيت مصري بأن الوعي يبدأ من الصغر، وأن الدولة قد وفرت كافة السبل التكنولوجية والتربوية لجعل أبنائنا مواطنين صالحين يحترمون النظام. ومن هنا، تدعو "اليوم السابع" كافة الأسر المصرية لاصطحاب أطفالهم لهذه المدن، ليس فقط من أجل المتعة، بل للمشاركة في بناء مستقبل أكثر انضباطاً وأماناً للجميع، في ظل وطن يخطو بثبات نحو الريادة والتحضر في كافة المجالات.
.jpg)
مدينة المرور للطفل (1)
.jpg)
مدينة المرور للطفل (2)
.jpg)
مدينة المرور للطفل (3)
.jpg)
مدينة المرور للطفل (4)
.jpg)
مدينة المرور للطفل (5)
.jpg)
الزميل محمود عبد الراضى داخل مدينة المرور للطفل (6)