إذا كان مفهوم الاستدامة، فيما يتعلق بالتنمية مرتبطا بالأساس بالشمولية، التي لا تقتصر على مجرد أرقام إيجابية في الخانات الاقتصادية، وإنما بعملية شاملة تضمن الاستقرار السياسي والأمني والبيئي والتكنولوجي، وغير ذلك من الأبعاد، فإنه، وبناء على ذلك لا يمكن النظر إليه باعتباره حالة فردية، تنجح دولة بعنيها في تحقيقها، بعيدا عن محيطها الدولي، وهو ما يفسر أحد أبرز التحديات التي تواجه العملية التنموية في إطارها المستدام، خاصة وأن ثمة حالة من الفوضى باتت تعم الأقاليم الجغرافية، دون تمييز، في ضوء سيولة أمنية جراء تمدد الصراعات الدولية، أو سياسية مع عجز الدول عن تقديم ضمانات، أو اقتصادية، جراء عودة العالم إلى سياسات إفقار الجار عمدا، مع عودة زمن التضييق الاقتصادي على الآخر، والآخر هنا ليس بالضرورة أن يكون خصما، فقد يكون حليفا تاريخيا.
والواقع أن الحالة التنموية شهدت قدرا من الاستقرار والنمو في العديد من المناطق بالعالم، خلال عقود، خاصة الغرب الأوروبي والولايات المتحدة، بالإضافة إلى بعد الدول في آسيا، ولكل منها ظروفه وأسبابه، إلا أن أهم المشتركات تجلت في النجاح الكبير في تحقيق قدر من التكامل مع العالم الخارجي، خاصة في إطار التحالفات التقليدية، والابتعاد الجغرافي عن مناطق الصراع المباشر، ناهيك عن تواري الصراعات البينية داخل الإقليم الواحد، وهي العوامل التي تراجعت في السنوات الأخيرة، مع اندلاع الأزمة الأوكرانية، والخروج عن قواعد التحالف، من قبل بعض القوى الحاكمة للمشهد العالمي، لتنكشف معها هشاشة متفاوتة في قدرة الدول أو حتى التكتلات الإقليمية في تسيير العملية التنمية على نفس الوتيرة، جراء عدم القدرة على إدارة الأزمات بعد انكشاف غطاء الحماية الممنوح لها.
الحالة الراهنة ربما تطرح تساؤلا مهما حول ما إذا كان الاستقرار الأمني والتكامل الاقتصادي، كافيان لتحقيق الاستدامة، أم أن ثمة أبعادا جديدة، ولدت من رحم الظروف والمستجدات الدولية في لحظة دولية تبدو قاسية للغاية، مع محاولات إعادة هيكلة النظام الدولي، في ضوء منافسة حادة، لم تعد قاصرة بين الخصوم، وإنما ممتدة إلى الحلفاء، مما خلق حالة من السيولة في إدارة المشهد العالمي برمته.
ولعل المفهوم الأبرز في هذا الإطار يتجلى في تحقيق استدامة الحالة السيادية للدولة، وهو الأمر الذي وإن كان يتطلب بناء ذاتي، على النحو الذي أسلفت في مقال سابق، ينطلق من الداخل، ليكون نواة الاستقرار، فإنه يبقى في حاجة ملحة إلى تحقيق الاستدامة، عبر التكامل بين القوى الرئيسية في الأقاليم، وهو ما يمثل تغييرا جذريا في الرؤية التي تتبناها الدول في إدارة علاقاتها الإقليمية، للخروج من دائرة السيطرة على قرار الآخر، سواء بصورة ناعمة في إطار التحالفات، أو خشنة في إطار التضييق عليه، نحو دعم استقلالية القرار والمؤسسات بعيدا عن أي دور خارجي من شأنه تقويض دور الدولة أو التدخل في شؤونها.
الصورة سالفة الذكر تتطلب في واقع الأمر رؤية عميقة من قبل صانعي السياسات الخارجية، تتجاوز في جوهرها الخلافات البينية، والتي طالما وقفت عائقا أمام الوصول إلى مثل هذه الحالة من التكامل السيادي، إلا أن الهدف من ورائها يبدو أكثر إلحاحا وأهمية في ضوء المستجدات الدولية الراهنة، فانتزاع سيادة الخصوم الإقليميين والاستقواء عليهم من قبل قوى دولية أكبر يعني ببساطة اختراق مفهوم الاستدامة فيما يتعلق بالسيادة، عبر خلق سابقة يجوز تكرارها إذا ما اقتضت الحاجة ذلك، وهو ما يمثل تهديدا صريحا ليس فقط للدولة المنتهكة سيادتها وإنما لكافة أطراف المعادلة الإقليمية، وفي القلب منهم خصومها.
التكامل السيادي يمثل نقطة انطلاق مهمة للشراكة بين الخصوم، خاصة مع فشل السياسة والاقتصاد في تحقيق ذلك، حيث تنطلق تلك الحالة من التوافق، ليس في الرؤى أو القضايا أو المصالح، وإنما في فكرة بقاء الدولة والحفاظ على المؤسسات، باعتبارها أساس لا يجوز انتهاكه، وهو ما يفتح المجال أمام توافقات أخرى من شأنها تخفيف حدة الخلافات الأساسية.
الرؤية سالفة الذكر تبدو متحققة إلى حد كبير في الموقف الإقليمي، في منطقة الشرق الأوسط، والذي يحظى بحالة أقرب إلى الإجماع تجاه إيران في ظل التصعيد الأخير مع الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم عقود من الخلافات، التي أثمرت عن انقسام المنطقة بين محورين أحدهما مقاوم والآخر معتدل، وهو ما أضر بمركزية القضية الفلسطينية، بل ومثل تهديدا كبيرا للعديد من دول المنطقة خاصة خلال العقد الماضي، مما وضع بعضها على حافة الحرب الأهلية، وهي خلافات ربما مازالت لم تجد لها حلا جذريا، إلا أن التوافق الحالي بين القوى الإقليمية، باختلاف مواقفها تجاه أطراف التصعيد، حول احترام سيادة الدولة ورفض انتهاكها واللجوء إلى التفاوض، بوساطة إقليمية، من أجل الوصول إلى حلول دبلوماسية هو القرار الحكيم الذي اتخذه الإقليم، ليس فقط من أجل عدم الانزلاق في مستنقع جديد من الفوضى، وإنما أيضا في إطار تقديم نموذج مهم لمفهوم السيادة المستدامة، والقائمة في الأساس على تحقيق تكامل سيادي، يهدف إلى صيانة الحالة السيادية في إطارها الجمعي، وحمايتها من أي محاولة لانتهاكها في المستقبل، بينما تمنح الإقليم قرارا يبدو مفصليا في إدارة أزماته، على الأقل عبر تسجيل موقف رافض للعدوان، ليجرده، إن حدث، من أي شرعية إقليمية قد يحظى بها.
وهنا يمكننا القول بأن الاستدامة ليست رهينة مؤشرات النمو أو خطط التنمية المنعزلة، بقدر ما باتت مرهونة بقدرة الدول على تحقيق تكامل سيادي في إطار مستدام، وبقدرة الإقليم نفسه على حماية قراره الجماعي من الاختراق، ففي عالم يتآكل فيه الاستقرار كقيمة دولية، وتتحول فيه السيادة إلى ورقة تفاوض، يصبح التكامل السيادي بين دول الإقليم ليس ترفا سياسيا، بل شرطا وجوديا لبقاء الدولة واستمرار التنمية، وبالتالي فإن الموقف الإقليمي الراهن ليس مجرد رد فعل على تصعيد عابر، وإنما تعبيرا عن وعي جديد بأن حماية السيادة اليوم هي الاستثمار الحقيقي في الغد، وأن الاستقرار المستدام لا يُفرض من الخارج، بل يبنى من الداخل، ويحمى جماعيا.