"مولود وفي بقه ملعقة دهب" تعبير شعبي قديم لا يزال المصريون يستخدمونه حتى الآن كتعبير مجازي عن الثراء والترف. ولكن ترف استخدام الذهب على المائدة لم يعد قاصرًا على "الملعقة" أو سائر أدوات المائدة، وإنما وصل للأطباق نفسها وأصبح "تريند" جديد يتبارى في تذوقه أثرياء العالم كواحدة من أكثر التجارب رفاهية وفخامة. وهي التجربة التي تثير الكثير من التساؤلات بداية من سؤال: هل الذهب أصلاً صالح للأكل؟ وصولاً إلى التساؤل عن الحد الفاصل بين الرفاهية والسفه.
جذور تاريخية لفكرة أكل الذهب
بالعودة إلى التاريخ، نفاجأ بأن ما يعد "تريند جديد" ليس جديدًا على الإطلاق، فحسب موقع "food meets science" استخدم نبلاء أوروبا في العصور الوسطى رقائق الذهب ومسحوقه في تزيين الأطعمة والمشروبات. وكانوا يفعلون ذلك في الولائم كتعبير عن مكانة الضيف والمضيف، وكذلك انطلاقا من اعتقاد شائع آنذاك بأن المواد النادرة والثمينة تحمل بالضرورة فوائد صحية.

ورق الذهب على الطعام
ومن أبرز الشواهد التاريخية على ذلك مشروب Goldwasser، وهو مشروب عشبي تقليدي اشتهر في مناطق ألمانيا وبولندا، ويحتوي على رقائق من أوراق الذهب. هذا المشروب، الذي لا يزال ينتج حتى اليوم، يجسد فكرة امتزاج الفخامة بالموروث الشعبي، حيث تحولت رقائق الذهب إلى عنصر بصري يميز التجربة أكثر مما يغير مذاقها.
وفي جنوب آسيا، ظهر استخدام الذهب الصالح للأكل في صورة الفارك (Vark)، وهي رقائق معدنية رفيعة تستخدم لتزيين الحلويات التقليدية، خاصة في المناسبات الدينية والاحتفالات الكبرى، في تعبير رمزي عن النقاء والبركة.

تزيين الحلويات برقائق الذهب
ما الذهب القابل للأكل؟
الذهب القابل للأكل هو ذهب نقي بنسبة تصل إلى 99.9% من عيار 24، جرى تصنيعه خصيصًا للاستخدام الغذائي، وحصل على اعتماد هيئات تنظيمية مثل هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) والهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء (EFSA)، حيث يصنف كمضاف غذائي تحت الرقم E175.
يأتي هذا الذهب في صور متعددة، من أوراق رقيقة جدًا، إلى رقائق، أو مسحوق ناعم، وأحيانًا في صورة سوائل منقوعة بالذهب، ويستخدم حصريًا كعنصر زخرفي لا يضيف نكهة أو قيمة غذائية.
تمر صناعة الذهب القابل للأكل بمراحل دقيقة تعتمد على الضغط والحرارة لتحويل الذهب الخالص إلى صفائح شديدة الرقة. وفي بعض الحالات، يخلط بكميات ضئيلة من معادن أخرى مثل الفضة أو النحاس لتسهيل تشكيله ومنحه درجات لونية مختلفة، مع الالتزام الصارم بمعايير النقاء.
ويمتاز الذهب بخاصية كيميائية فريدة؛ فهو معدن خامل لا يتفاعل مع سوائل الجسم أو إنزيماته، ما يعني أنه يمر عبر الجهاز الهضمي دون أن يترك أثرًا بيولوجيًا أو تغذويًا، ودون أن يغير من كيمياء الجسم.
الجدل العلمي والاحتياطات الصحية
رغم اعتماده الرسمي، أعادت الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء عام 2016 تقييم استخدام الذهب (E175) كمضاف غذائي، وأشارت إلى بعض المخاوف النظرية، أبرزها احتمال احتواء الإضافات الذهبية على جزيئات نانوية دقيقة، أظهرت بعض الدراسات المخبرية قدرتها على إحداث تلف جيني في الخلايا الثديية في ظروف معملية.
ورغم أن هذه النتائج لا تعكس بالضرورة تأثيرًا مباشرًا عند الاستهلاك المحدود، فإنها دفعت الخبراء إلى التأكيد على ضرورة الاعتدال، واستخدام الذهب القابل للأكل فقط من مصادر موثوقة ومخصصة للأغراض الغذائية.
كما ينصح الأشخاص الذين يعانون من حساسية معروفة تجاه الذهب بتجنبه تمامًا، إذ قد يؤدي تناوله، ولو بكميات صغيرة، إلى تفاعلات جلدية أو أعراض غير مرغوبة.
موضة مطابخ النخبة
في السنوات الأخيرة، عاد الذهب القابل للأكل إلى الواجهة، مدفوعًا بثقافة الاستعراض البصري التي عززتها وسائل التواصل الاجتماعي، ومطابخ الطهاة الباحثين عن التفرد، ولم يعد الهدف إقناع المستهلك بفائدة صحية، بل تقديم تجربة فاخرة تلامس الحواس وتمنح الإحساس بالاستثناء.
ورغم هذا البريق، يبقى الذهب القابل للأكل عنصرًا رمزيًا أكثر منه غذائيًا، يضيف لمسة من الرفاهية إلى الطبق، ويعيد إلى الأذهان علاقة قديمة بين الإنسان وكل ما هو نادر، حتى وإن كان بلا طعم أو قيمة غذائية.