بعيدا عن نظريات المؤامرة - مع الاعتراف بأن هناك مؤامرات تُدبّر بالفعل - وإعمالا بأدوات المنطق والعقل، والقدرة على استنباط الحقائق، سواء بالبحث والتدقيق على الأرض، أو بالقراءة والتحليل وربط الأحداث، فإن اللغز الحقيقى بالنسبة لى فى قضية القرن، جيفرى إبيستن، يتمثل فى الأسئلة التالية:
كيف لشخص عادى، فجأة يصير المفتاح السحرى الذى يتحكم فى أبواب وخزائن مطابخ صناعة القرار فى معظم دول العالم؟ وكيف أسس شبكة نفوذ بهذا المستوى الرفيع، وتجنيد خليط من النافذين فى كل المجالات والقطاعات، السلطة والسياسة والمال والفن والثقافة والعلوم، فى شبكة عنكبوتية رهيبة؟
يمكن أن نعتبره عبقريا - وهو أمر مشكوك فيه لانخفاض منسوبه العلمى والمعرفى - فى إمكانية ألا يحقق نجاحاته فى وطنه فحسب، وإنما حقق هذا التغوّل المخيف فى معظم قصور السلطة فى قارات الدنيا، وهو أمر لافت ومدهش ويحتاج لدراسة عملية بجانب تحليل علمى؟
وننتقل إلى السؤال المهم واللافت، والمتعلق بكيف لمثل هؤلاء المتحكمين فى القرارات الدولية، سياسيا واقتصاديا، على وجه الخصوص، أن يتبنوا خطابا أخلاقيا، فى العلن، لدعم حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وحق الطفل والمرأة، بينما يمارسون كل أنواع الانحطاط الأخلاقى، من اغتصاب أطفال وقتل وأكل لحوم البشر، فى الخفاء؟!
العامل الجوهرى اللافت للانتباه فى فضيحة «إبستين»، أن دمار البلاد والعباد، وعلى رأسهم الأطفال والنساء، فى غزة والعراق والصومال والسودان وسوريا وليبيا وغيرها من الدول التى خططت أمريكا وحلفاؤها من أعضاء الناتو لتدميرها، خطط له من الجزيرة الملعونة ووسط حفلات انتهاك الإنسانية باغتصاب الأطفال والقاصرات، وشرب نخب اللذة من الدماء، وشى لحوم الضحايا، وأن معايير حقوق الإنسان ما هى إلا حروف وأرقام مدونة على أوراق تقارير منظمات حقوق الإنسان، وأتباعهم من الدكاكين فى الدول النامية، لاستخدامها صكا لتدمير الدول، وخداع الشعوب!
نعم، الدراما الحقيقية لفضيحة إبستين، ليست فى تفاصيل اغتصاب القاصرات، وإنما فى حجم الصدمة من اكتشاف مدى الأريحية والطمأنينة فى التغاضى عن هذه الجرائم من دوائر تدّعى حماية وصيانة القيم الأخلاقية، والدفاع عن الحريات والكرامة الإنسانية، مثل منظمات حقوق الإنسان الكبرى، وكأنها تطبق سياسة القردة الثلاثة، لا أرى شرا، لا أسمع شرا، لا أنطق شرا.
بل الأنكى، أن منظمات حقوق الإنسان الدولية، بجانب الدوائر والمؤسسات الرسمية، سخّرت سلطاتها ونفوذها للتغطية على هذه الجريمة الإنسانية البشعة، وحماية مرتكبيها وشبكاتهم، والمشاركين من الشخصيات أصحاب الأوزان الثقيلة، رؤساء ودبلوماسيين وأثرياء وفنانين وأدباء وعلماء، وغيرهم، مثلما غضّت الطرف عن الجرائم التى يندى لها جبين الإنسانية فى غزة، ولم يحرك ساكنا لكل المتورطين فى فضيحة إبستين، ومعظمهم فى سدة الحكم ومؤثرين فى صنع القرار الدولى وعلى رأسهم بالطبع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، المتورط الأبرز، ما يؤكد حقيقة أن قتل الأطفال والنساء يمثل متعة خاصة لهؤلاء، ولا تزعجهم صور الدماء والأشلاء وصرخات الأطفال، بل تطربهم، وتتكحل عيونهم بالنظر إليها.
وربما يرى البعض من المعارضين لهذا الطرح أيضا، بأنه لا يمكن تبنِّى رؤية أن كل قرارات السياسة الخارجية الأمريكية وحلفائها، مبنية على جرائم الاستغلال الجنسى؛ ومردود على هؤلاء بنظرية أن من الصعب تجاهل منظومة القيم الأخلاقية والإنسانية، المعلنة، وتفريغها من مضمونها، بحيث تصير انتقائية؛ قيم تٌعلن بشكل صارخ وضجيج يصم الآذان، فى الخطابات الرسمية العلنية، بينما فى الخفاء، ترتكب انتهاكات صارخة لكل القيم الأخلاقية، وحقوق الإنسان!
وربما تكون الحقيقة الأكثر صدمة، هى أن النخب النافذة صاحبة القرار المؤثر فى المشهد الدولى، لا ترى فى مآسى الآخرين - سواء كانوا ضحايا اغتصاب قاصرات وتقديم جثثهم قرابين لطقوسهم الشاذة فى إبستين، أو كانوا ضحايا صواريخ وقنابل فى غزة والعراق وغيرها - سوى مسائل هامشية تفوقها فى الأولويات حسابات السلطة والنفوذ والمصالح الاستراتيجية!
هذه الحقائق ليست مجرد وجهات نظر ساذجة، أو طرح عبثى يتعارض مع أدوات العقل والمنطق، وإنما هى حقيقة أقرتها وثائق إبستين، فى رسالة واضحة وضوح الشمس فى كبد السماء، أن ما يحدث خلف الغرف المغلقة للنخب والمتحكمين فى القرار الدولى، من جرائم اغتصاب القاصرات، وعقد الصفقات القذرة، ما هو إلا استمرار لنفس المنطق الذى يسمح بقتل الأطفال والنساء بالطائرات والصواريخ فى غزة والعراق والصومال والسودان وغيرها من الدول المنكوبة، لا فرق بينهم!