منذ فجر الحضارات، ارتبط الذهب بالمكانة الرفيعة والجمال والرفاهية، ليس فقط كزينة أو ادخار، وإنما أيضًا باستخداماته المختلفة، من أدوات المائدة إلى العناية بالجمال، باعتباره عنصرًا يمنح النضارة ويعزز الشباب ويمنح البشرة إشراقة استثنائية ارتبطت بالملوك والنخب، قبل أن يصبح اليوم جزءًا من صناعة التجميل الحديثة.
استخدام الذهب في التجميل من مصر القديمة إلى فرنسا
هذا الارتباط بين الذهب والجمال هو علاقة قديمة تعود لآلاف السنين، حيث تشير المصادر إلى أن المصريين القدماء استخدموه منذ أكثر من خمسة آلاف عام في التجميل. وتعد الملكة كليوباترا المثال الأشهر، إذ يقال إنها كانت تنام وهي تضع قناعًا من الذهب للحفاظ على شباب بشرتها ونعومتها.
آمن المصريون بأن الذهب معدن مقدس مرتبط بالآلهة والخلود، واستخدموه في المراهم والعلاجات الجلدية، ليس فقط لإضفاء الجمال، بل لخصائصه المهدئة والمساعدة على تجديد خلايا البشرة.
ووفقًا لموقع مجلة فوج، فإن هذا الإيمان لم يكن حكرًا على المصريين. ففي الصين الإمبراطورية، رأت النساء في الذهب طريقًا للحفاظ على توازن الجسد ونقاء البشرة. كانت رقائق الذهب تضاف إلى المستحضرات التقليدية، للحصول على صفاء داخلي ينعكس على المظهر الخارجي. أما في الهند، فقد امتزج الذهب بفلسفة الأيورفيدا، ليصبح جزءًا من وصفات تهدف إلى تجديد الخلايا وتحقيق الانسجام بين الجسد والروح، في تصور يرى الجمال حالة شاملة لا تنفصل عن الصحة.
ومع انتقال هذه المعتقدات عبر العصور، تحول الذهب في بعض الفترات إلى هوس بمقاومة الشيخوخة. ففي أوروبا، خاصة خلال العصور الوسطى وعصر النهضة، سعى النبلاء إلى ابتلاع الذهب حرفيًا، ظنًا منهم أن ما لا يفسد ولا يصدأ قادر على منح الجسد عمرًا أطول. قصة ديان دو بواتييه، سيدة البلاط الفرنسي التي حافظت على مظهر شاب حتى سنواتها الأخيرة، تختصر هذا الهوس. فقد كانت تتناول مشروبات تحتوي على مركبات الذهب، قبل أن يتبين لاحقًا أن هذا السعي المحموم وراء الشباب كان سببًا في تسممها ووفاتها. وهي قصة تذكرنا بأن الرغبة في الجمال، حين تنفصل عن المعرفة، قد تتحول إلى خطر.

ديان دو بواتييه التي يرجح أنها توفيت بسبب شرب الذهب
الأبحاث الحديثة وفوائد الذهب في التجميل
اليوم، يعود الذهب إلى عالم التجميل من بوابة مختلفة تمامًا. لم يعد وعده قائمًا على الأساطير، بل على العلم. فالأبحاث الحديثة أثبتت أن للذهب خصائص مضادة للالتهاب والأكسدة، تساعد على تهدئة البشرة وحمايتها من العوامل التي تسرع شيخوختها. كما تشير دراسات إلى أن جزيئاته الدقيقة قادرة على تنشيط الدورة الدموية وتحفيز إنتاج الكولاجين، ما ينعكس على مرونة الجلد وإشراقه.
لهذا السبب، بات الذهب حاضرًا بقوة في مستحضرات العناية الحديثة، من السيرومات والكريمات إلى أقنعة الوجه ومنتجات العناية بالعين وأصبح جزءًا من روتين تجميلي يبحث عن لحظة عناية خاصة، وعن إحساس بأن البشرة تستحق الاهتمام والترف معًا.
ويقول ماشيك ليكو خبير العناية الأمريكي في مقال له، إنه مع تطور تقنيات النانو، بات الذهب عنصرًا واعدًا في تطوير أنظمة توصيل ذكية للمكونات النشطة داخل البشرة، ما قد يفتح آفاقًا جديدة لعلاج مشكلات مثل التصبغات، والشيخوخة الضوئية، وبعض الأمراض الجلدية، ليصبح الذهب مكونًا وظيفيًا حقيقيًا يتجاوز كونه رمزًا للترف.