<< بلياشتو غزة حول الضحكة لفعل مقاومة وفريق العمل اختار أبطال الفيلم وسط الركام
<< المخرج الفلسطيني : عبد الرحمن صباح: لم أبدأ الفيلم بكاميرا أو سيناريو، بل بلحظة إنسانية
<< عبد الرحمن صباح: صناعة الفيلم ليست فعلا فنيا فقط بل خروج يومي في مواجهة احتمال الموت
<< علوش لم يكن شخصية أمام الكاميرا.. كان إنسانا اختار أن يحول ألمه إلى فرح للأطفال
<< علاء مقداد قصير القامة لكن عظيم الهمة
<< فريق عمل الفيلم: عملنا بإمكانات شبه معدومة لكن بصدق كامل والقصة إن توقفت ضاعت
<< مخرج الفيلم فقد زوجته و35 من أفراد عائلته لكن حمل الأمانة ومسؤولية إيصال صوت ومعاناة أهل غزة
<< أطفال غزة لا يشبهون أي جمهور آخر.. كل واحد منهم يحمل حكاية أثقل من عمره
<< علوش عاش سنوات طويلة يهرب من عيون الناس بسبب نعته بالقزم
في قلب القطاع، حيث سطرت الحرب فصولها بلا رحمة، وتهدم البيوت وتفتت الأرواح، يظهر فيلم "بلياتشو غزة" كنافذة مضيئة على إنسانية لا تعرف الانكسار، هذا الفيلم ليس مجرد وثائقي أو سرد بصري، بل شهادة حية على القدرة الاستثنائية للإنسان على التحمل والمقاومة، وعلى أن الضحكة، مهما كانت بسيطة، يمكن أن تصبح فعل مقاومة في مواجهة الخراب.
يأخذنا المخرج الفلسطيني عبد الرحمن صباح في رحلة عميقة إلى داخل القطاع، ليس لنر القصف وحده، ولا الدمار بمفرده، بل لنلتقي بالإنسان الذي يختار الحياة رغم كل شيء، ويختار الفرح والأمل وسط الركام، حيث يروي قصة علوش، المعيل الوحيد لأسرته، ذو القامة القصيرة والروح العظيمة، قرر أن يحول ألمه الشخصي، ومحنته التي صاغتها طفولة مليئة بالتنمر والخوف، إلى فرح يعيد للطفولة الضائعة جزءا من براءتها وابتسامتها.

عبد الرحمن صباح
كاميرا تحول غزة من مشهد حرب ومأساة لفضاء إنساني عميق
من خلال كاميرا صباح، تتحول غزة من مشهد حرب ومأساة إلى فضاء إنساني عميق، حيث يواجه بطل الفيلم، كل يوم، تحديات أكبر من عمره، ليزرع الابتسامة في وجوه أطفال فقدوا بيوتهم وأهلهم وأمانهم، الأطفال الذين يلتقيهم علوش ليسوا جمهورا عاديا، بل حكايات تمشي على أقدام صغيرة، كل منهم يحمل عبءا يفوق قدرتهم، وهم يُنقذون، ولو للحظات، من سطوة الحرب، بالضحكة واللعب والدفء الإنساني.
الفيلم، كما يؤكد مخرجه، لم ينجز للتسلية أو الترفيه فحسب، بل ليكون صرخة حياة في وجه الموت، ونافذة لفهم غزة بطريقة لم يلتقطها أي عدسة من قبل، القطاع الذي يحترق، لكنه لا يستسلم؛ ينهار، لكنه يصنع فرحا من بين الركام، يرفض سكانه أن يختفوا، حتى في أكثر اللحظات سوادا.

بوستر الفيلم
في "بلياتشو غزة"، الضحكة ليست مجرد لحظة، بل فعل مقاومة، الإنسانية ليست، خيارا بل تحديا، والصمود ليس شعارا، بل حياة يومية حقيقية، هنا، تتلاقى المعاناة بالفرح، والخوف بالشجاعة، واليأس بالأمل، ليخرج الفيلم شهادة حية على قدرة الإنسان الفلسطيني على إعادة تعريف الحياة، حتى وسط الخراب، وعلى أن كل ابتسامة، مهما كانت صغيرة، يمكن أن تكون ثورة ضد الموت والحزن واليأس.
ويقول المخرج الفلسطيني عبد الرحمن صباح، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن فيلمه الوثائقي لم يبدأ من كاميرا، أو ورقة سيناريو، بل من لحظة إنسانية ثقيلة كان فيها الجسد مصابا، والروح محاصرة بالأسئلة، والواقع أشد قسوة من أن يختصر في فكرة واحدة، موضحا أنه بعد إصابته خلال الحرب، وجد نفسه غارقا في زحام القصص التي تتدفق من كل اتجاه، قصص متشابكة، متراكمة، موجعة، يصعب الإمساك بإحداها دون أن تنفلت الأخرى.

المخرج عبد الرحمن صباح خلال إخراجه للفيلم من داخل غزة
تحدي نفسي وأخلاقى
ويقول: "كنا نعيش واقعا غير مسبوق في قسوته، النزوح، التشظي، انقطاع الناس عن بعضهم، تقسيم المناطق، صعوبة الوصول إلى الشخصيات، وحتى صعوبة متابعة الناس الذين نعرفهم، لأن كل شيء كان مؤقتا، هشا، مهددا بالاختفاء في أي لحظة"، مضيفا أن العمل على فيلم وثائقي في ظل هذا الواقع لم يكن تحديا فنيا فقط، بل تحديا نفسيًا وأخلاقيا، في ظل وجود قصص كثيرة ملهمة، وأخرى موجعة إلى حد يجعل الاقتراب منها مغامرة مؤلمة.
وسط هذا الازدحام، لم يكن عبد الرحمن يبحث عن بطل، بل كان يبحث عن مدخل إنساني صادق، نافذة صغيرة يمكن من خلالها رؤية غزة بوجهها الآخر، الوجه الذي لا يظهر في صور القصف والدمار وحدها، حيث يروي المخرج أنه شاهد مصادفة مقطعا مصورا لعلاء مقداد، المعروف بلقبه "علوش"، وهو يقدم فقرات ترفيهية داخل إحدى مدارس الإيواء، متابعا: "في تلك اللحظة شعرت أن علوش هو من اختارني، لا أنا من اخترته، شيء ما في حضوره، في طاقته، في طريقته وهو يضحك الأطفال، جعلني أؤمن أن هذه القصة يجب أن تروى".
ويتابع صباح: "علوش قد يُعرف سريعا بأنه قصير القامة أو من ذوي الإعاقة، لكن هذا التعريف لا يلامس حقيقته أبدا، هو إنسان مليء بالطاقة والعزيمة، عظيم بأفعاله، عظيم بفكره، عظيم بعطائه، شخص مرح بطبيعته، لكنه يحمل وعيا عميقا بما يعيشه الأطفال من حوله".

المخرج عبد الرحمن صباح مع بطل الفيلم علوش
لم يكتف المخرج بالمشاهدة من بعيد، بل بادر فورا بالتواصل مع علوش، وجلس معه طويلا، وطرح عليه أسئلة كثيرة، لا ليصنع مقابلة، بل ليغوص في داخله، ليفهم دوافعه، ويسأل: لماذا تفعل هذا؟ من أنت؟ وما الذي يدفعك لأن تختار الفرح في مكان يفيض بالحزن؟
خيمة إيواء علوش وأسرته
ومع تطور العلاقة، شعر "صباح" أن اللقاء لا يكتمل إلا بزيارة المكان الذي يعيش فيه علوش، فانتقل إلى خيمة الإيواء التي تقيم فيها عائلته في المنطقة الوسطى، على أطراف النصيرات، قرب مدخل الزوايدة، على طريق البحر، وهناك، كما يصف المخرج، لم يكتشف شخصية فقط، بل اكتشف عائلة كاملة تحمل فلسفة الحياة نفسها.
ويقول: "تفاجأت بأن لعلوش ثلاث شقيقات من نفس الحالة، قصيرات القامة أيضا، لكن المفاجأة الأكبر كانت في روح العائلة، حيث أم لطيفة، أب بسيط، عائلة جميلة جدا، ومتوافقة، تعيش بروح الفكاهة رغم الفقر والنزوح والخيمة. كانوا يعيشون ببساطة شديدة، لكن بكرامة عالية".

المخرج عبد الرحمن صباح وعلوش
هذه التفاصيل، كما يؤكد عبد الرحمن صباح، جعلته يزداد إيمانا بأن علوش ليس مجرد شخصية تصلح لفيلم، بل هو حالة إنسانية متكاملة، شخص يخرج كل يوم ليواجه الخراب بالضحكة، ويقرر أن يكون حاضرا لأطفال لا يملكون شيئا سوى لحظات الفرح المؤقتة، حيث يشرح المخرج أن الأطفال الذين يلتقيهم علوش ليسوا جمهورا عاديا، بل حكايات ثقيلة تمشي على أقدام صغيرة، قائلا : "كل طفل له قصته؛ طفل هو الناجي الوحيد من عائلته، طفل أبوه أسير، طفل أخوه شهيد، طفل أمه شهيدة، طفل مشرد لا يملك مكانا يعود إليه، وهذه ليست حالات فردية، هذه صورة عامة لطفولة غزة اليوم".
ويؤكد أن ما يعيشه هؤلاء الأطفال يفوق قدرة أي إنسان على الاحتمال، قائلا: "نحن نتحدث عن أطفال مشتتين، بائسين، جائعين، خائفين، عاشوا ما لا ينبغي لأي طفل في العالم أن يعيشه، والحرب سرقت منهم الأمان، والبيت، والمدرسة، وحتى حقهم في البكاء بهدوء" موضحا أنه بدأ العمل الحقيقي على الفيلم، ليس كتوثيق لحياة شخص واحد، بل كمحاولة لفهم القطاع من خلال إنسان قرر أن يكون ضوءا صغيرا وسط العتمة.
فيلم عن المقاومة والضحكة
ويقول: "بدأت بكتابة ملخص إنساني بسيط عن علوش، أبحث فيه عن مدخل صادق أستطيع من خلاله الدخول إلى حكايته، لأن تفاصيله كثيرة، ومتداخلة، وتحتاج إلى تركيز شديد حتى لا تتحول إلى مجرد مشاهد عابرة"، مؤكدا أن "بلياشتو غزة" ليس فيلما عن الترفيه بقدر ما هو فيلم عن المقاومة بأدوات غير متوقعة، عن الضحكة كفعل إنساني، وعن الإصرار على الحياة في مكان يدفع فيه الناس يوميا نحو اليأس، وهذا الفيلم محاولة لأن نقول إن غزة ليست فقط مكانا للموت، بل مكانا لأناس يحاولون، رغم كل شيء، أن يصنعوا معنى للحياة.

المخرج عبد الرحمن صباح خلال إخراجه للفيلم
في فيلم "بلياتشو غزة"، لا يقدم المخرج الفلسطيني حكاية شخصية استثنائية فحسب، بل يفتح نافذة إنسانية عميقة على معنى التحول وسط الخراب، وعلى قدرة الإنسان المكسور على إعادة تعريف ذاته، رغم القسوة والفقد والخذلان، ومن خلال عدسته، تتحول سيرة "علوش" من هامش منسي إلى قلب نابض بالفرح في أكثر الأمكنة وجعا.
ويقول عبد الرحمن صباح إن علوش لم يكن مجرد شخصية أمام الكاميرا، بل كان حكاية تمشي على قدمين، وتحمل فوق كتفيها مسؤولية أكبر من العمر والجسد، فبطل الفيلم والمعيل الوحيد لأسرته، كان يواجه عبئا يوميا ثقيلا، في واقع لا يرحم الضعفاء ولا يمنح الفرص بسهولة، خاصة لمن ولدوا مختلفي، ومسؤولية الإعالة لم تكن رقما في معادلة الحياة، بل كانت امتحانا قاسيا لطفل كبر مبكرا، وتعلم أن يبتسم وهو مثقل بالهم.
طفولة قاسية وتنمر مستمر
ويستعيد صباح، عبر الفيلم، طفولة علوش القاسية، تلك التي تشكلت على وقع التنمر اليومي، والعزلة القسرية، والخوف المزمن من نظرات الآخرين، قائلا : " البطل عاش سنوات طويلة وهو يهرب من عيون الناس، من عيون الأطفال تحديدا، كان يُطارد بالكلمات الجارحة قبل الحجارة، يُنعت بالقزم، ويُسلب دفاتره وأقلامه، وتُنتزع منه براءة الطفولة قطعة قطعة ".
لم يكن التنمر حادثة عابرة، بل حالة مستمرة صنعت داخله شعورا دائما بالاستيحاش، وكأن العالم بأسره يتآمر على وجوده، لكن المفارقة، كما يرويها المخرج، أن هذه المحن لم تكسره، بل أعادت تشكيله، فالهروب الطويل من المجتمع تحول، ببطء وألم، إلى رغبة في مواجهته، والكوابيس القديمة صارت وقودا لتحول داخلي عميق، نقل علوش من خانة الخائف إلى مساحة التحدي، ويوضح "صباح": "هنا بدأت المنحة تولد من قلب المحنة، وقرر علوش أن لا يكون ضحية صورته في أعين الآخرين، بل أن يصنع صورته بنفسه".

جانب من الفيلم
لم يكن الطريق سهلا، ففي بداياته كمهرج، واجه علوش قسوة مضاعفة، الأطفال، ببساطتهم القاسية، لم يروا فيه إنسانا، بل تعاملوا معه كأنه دمية، يشدونه من شعره، يقرصونه، يختبرون جسده، يضعون أصابعهم في عينيه ليتأكدوا إن كان يشعر بالألم، إن كان يقول "آخ" مثلهم، لحظات موجعة، لكنها لم تكسر عزيمته، فتحامل على نفسه، وابتلع ألمه، وأصر أن يكمل.
ومع الوقت، حدث الانقلاب الكامل، والمجتمع الذي كان يطارده، صار هو من يركض خلفه، والأطفال الذين كانوا يؤذونه، صاروا ينتظرونه، والضحكة التي كانت غائبة عن وجهه، صارت رسالته اليومية، تحول علوش إلى مساحة أمان نفسي للأطفال المنكوبين، أولئك الذين يحمل كل واحد منهم حكاية أثقل من عمره، طفل نجا وحده من عائلته"، وآخر أبوه أسير، وثالث أمه شهيدة، ورابع بلا بيت ولا عنوان، في عالمهم المكسور، صار علوش نافذة فرح، وهدنة قصيرة مع الألم، ويؤكد عبد الرحمن صباح أن بطل الفيلم لم يكن مهرجا للأطفال فقط، بل أصبح رمزا للحي والشارع والعائلات، متابعا :" كان مصدر الفرح للجميع الذين يستقبلونه بالتحيات، وتلاحقه الابتسامات، ويُنادى باسمه الذي صار لقبا "عمو علوش"، وبهذا الاسم، دخل قلوب الصغار والكبار، وتحول إلى "مهرج غزة" الذي يزرع الضحك في أرض مثقلة بالدمع.
في خضم حرب لا تترك مساحة للأمان ولا تمنح صناع الصورة ترف التخطيط، جاء "بلياتشو غزة" كفعل مقاومة بصرية، خرج من قلب الخطر لا من هوامشه، حيث يروي المخرج الفلسطيني تفاصيل شاقة عن تجربة إخراج الفيلم، فالتجربة لم تكن فنية فقط، خاصة أن العمل خلال الحرب لم يكن مجرد مهمة تصوير، بل كان خروجا يوميا في مواجهة احتمال الموت، حيث يقول :" نحن عملنا في ظل ظروف كثير صعبة، أولها أنك تخرج من الخيمة أو البيت وأنت لديك إحساس حقيقي بأنك قد لا تعود لبيتك، وهذا الشعور ليس افتراضيا، بل واقع رأيناه بأعيوننا مع زملاء لنا في نفس المجال، خرجوا ولم يعودواـ فخروجك يجعلك تحمل روحك على كفك".

خيام النازحين
هذا الإحساس الدائم بالخطر، كما يصفه، خلف عبئا نفسيا هائلا: "هذه مخاطرة، وعبء نفسي ليس باليسير على أي إنسان، حيث تخرج لتواجه الأحداث وأنت قد سلمت أمرك لله"، متسائلا: "هل ستكون هناك عودة؟ وكيف ستكون؟ وهل ستكون العودة ممكنة من الأساس؟"، هذا القلق الدائم يولد حالة من التوتر النفسي الشديد، ويجعلك تعمل وأنت غير مطمئن، لا على نفسك فقط بل كذلك على من ترافقهم في هذه المهمة.
أزمة المعدات الفنية
وإلى جانب الخطر، جاءت أزمة الأدوات لتضاعف المعاناة، فالمعدات التي تعد عماد أي عمل سينمائي، كانت من أول ضحايا القصف، وهنا يتحدث عبد الرحمن صباح :"كنا نعمل باستخدام معدات فنية وإخراجية بسيطة للغاية، محدودة الإمكانيات للغاية، وفقدتنا معظم معداتنا؛ إما لأنها كانت في شركات تعرضت للقصف، أو في عمارات تدمرت، فأصبح علينا العمل بأقل جودة، وبأقل تقنيات، وبأدنى إمكانيات متاحة، ومع ذلك، لم يكن أمامنا خيار سوى الاستمرار والمضي قدما".
الصعوبة لم تقف عند حدود الكاميرا، بل امتدت إلى أبسط التفاصيل اليومية التي تحولت إلى معركة بحد ذاتها، حيث تقول : " تخيل أنك تعمل على تصوير فيلم، وفي الوقت ذاته لا تعرف كيف أو متى ستتمكن من شحن بطاريتك، هل تشحن الكاميرا؟ أم اللابتوب؟ وكيف ستفرغ المواد على القرص الصلب؟ هذه أمور بديهية في أي مكان في العالم، لكنها هنا كانت بمثابة معركة حقيقية".
ويصف صباح يوميات التصوير وكأنها صراع مفتوح مع الوقت والطاقة والمكان: " كنت أشعر وكأنني داخل ملحمة مستمرة مع أدواتي ومع ذاتي، وأبحث عن مكان لشحن بطاريتي، وأضطر أحيانا للذهاب إلى أماكن مكتظة للغاية، كالمستشفيات، أو إلى أماكن لا تستطيع فيها أن تتحرك بحرية، وفي بعض الأحيان تنفد البطارية أثناء التصوير، فيضطر المرء للتوقف، والبحث عن مصدر كهرباء، ثم العودة لاستكمال العمل، كل هذا كان مرهقا نفسيا وجسديا على حد سواء".
ويؤكد أن هذا الإنهاك لم ينعكس عليه وحده، بل على الشخصيات التي كان يتابعها ويصورها: " أنت تتذمر، وهذا أمر طبيعي، ومن أمامك يتذمر كذلك، لكنك رغم كل شيء تظل مصرا على الاستمرار، وتشعر أنه إن توقفت، ستضيع الحكاية، وستفلت اللحظة، ولن يصل صوت أولئك الذين يعيشون هذه المعاناة إلى أحد".
ويشير عبد الرحمن صباح إلى الدور الإنساني الكبير الذي لعبه بطل الفيلم، قائلا :" كان علوش شريكا حقيقيا في تحمل كل هذه المعيقات، حيث تحمل التأجيل، وتحمل الانقطاع، وتحمل التعب والضغط، وكان يمتلك صبرا غير عادي، لأن حياته بأكملها قائمة على القدرة على الاحتمال".
هدف بلياتشو غزة
أما الهدف من الفيلم، فيراه صباح أبعد من توثيق قصة فردية، بل محاولة لفضح واقع كامل: " هدفنا أن نري العالم مقدار ما في غزة من موت، وبالمقابل حجم ملحمة الحياة التي تتجلى فيها، ونحن نتحدث عن أبسط الاحتياجات، الماء، ودورات المياه، والطعام، والشراب، تلك الأمور التي يفترض أن تكون بديهية، بات الحصول عليها يتطلب معركة حقيقية"، واصفا القطاع قائلا :" "يعيش الناس يوما بيوم، ولا يملكون ترف التفكير في الغد، كل بيت منهك، وكل أسرة مثقلة، وكل فرد يحمل عبئا أثقل من عمره، وأكبر من طاقته، وأوسع من مسؤوليته، بل وأكبر حتى من دخله، وهذا الضغط اليومي هو الخلفية الحقيقية للفيلم، وهو السبب الذي جعلنا نواصل المسير رغم كل شيء".
هكذا خرج "بلياتشو غزة" من قلب الحرب، فيلم صور تحت القصف، وبإمكانات شبه معدومة، لكنه محمل بصدق التجربة وقسوة الواقع، ليكون شهادة حية على أن الكاميرا في القطاع لا تبحث عن لقطة جميلة، بل عن معنى للبقاء.
البعد الإنساني والرسالة الجوهرية الفيلم نقطة في غاية الأهمية، خاصة أنه لم ينجز لمجرد التوثيق، بل ليكون صرخة حياة في وجه حرب تحاول نزع المعنى من الإنسان قبل جسده، وهنا يقول عبد الرحمن صباح إن الهدف الأساسي هو إعادة تعريف صورة الإنسان الفلسطيني في وعي العالم: " دعني أؤكد الهدف بوضوح، فنحن نريد أن نظهر للعالم إلى أي مدى هذا الإنسان المغلوب على أمره، الذي يعيش تحت وطأة الموت والحرب والدمار الشامل، يحمل في داخله إنسانا زاخرا بالرسائل، ممتلئا بالأهداف، ومشحونا بالعزيمة والإرادة، رغم كل ما يعيشه".

عبد الرحمن صباح داخل غزة
أسباب اختيار علوش
ويشير إلى أن اختيار شخصية «علوش» لم يكن مصادفة، بل لأنه يجسد هذه الفكرة بأقصى درجاتها الإنسانية، لأن الرجل، رغم كونه من ذوي الاحتياجات الخاصة وقصير القامة، هو المسؤول الوحيد عن إعالة أسرته، ولا يوجد مصدر دخل غيره، وأصر أن يكون على قدر المسؤولية، يتحمل عبئها كاملا، ويتحدى ظروف المواصلات الصعبة للغاية والمسافات الطويلة، كي يصل للأماكن التي يستطيع أن يرفه فيها عن الأطفال الأيتام، أو يوصل لمستشفى، أو لخيمة نازحين.
ويضيف صباح أن علوش لم يكن مجرد مهرج عابر، بل صاحب رسالة إنسانية متكاملة، وصلت به إلى أن يلقب من منظمة الصحة العالمية بـ"دكتور كلاون" أي (الطبيب المهرج)، وعن سبب هذه التسمية يقول : " كان يزور المصابين، الأطفال، المبتورين، ويحاول أن يخفف عنهم الخوف والرعب والعبء النفسي الذي خلفته الحرب، وكان يدخل غرف المستشفيات، مدارس الإيواء، الشوارع، خيام النازحين".
ويلفت إلى أن رسالة علوش لم تكن مرتبطة بزي المهرج فقط، بل بشخصيته الإنسانية: " حتى عندما كان يرتدي ملابس المهرج أو أنفه الأحمر، كان يستطيع أن يزرع الضحكة وهو يسير في الشارع، ويتعامل مع الأطفال بلطف، ويغير ملامح وجوههم التي كانت تمتلئ بؤسا وخوفا".
الهدف من الفيلم أيضا كان أن يرى العالم جوهر الإنسان الفلسطيني، لا صورته النمطية، ورسالته كانت بسيطة للغاية في شكلها لكنها عميقة في معناها، وهو ما يشرحه المخرج الفلسطيني، :"نريد أن يرى العالم إلى أي حد يمتلك الإنسان الفلسطيني، حتى من ذوي الإعاقة، روحا نابضة بالأمل، وقدرة على العطاء، وهمة عالية، صحيح أن علوش قصير القامة، لكنه عظيم الهمة، عظيم العطاء، عظيم في كل فعل وكل رسالة يقدمها، والرسالة واضحة، أنا موجود رغم الموت، ورغم الحرب القاسية للغاية، حرب الإبادة التي لم تترك حجرا ولا شجرا ولا إنسانا إلا ونالت منه، وأبادت عائلات بأكملها، ومحيت من السجل المدني كأنها لم تكن موجودة يوما".
ويضيف صباح أن "بلياتشو غزة" إعلان تمسك بالحياة في مواجهة مشروع الموت: " نحن نقول للعالم، أنا الفلسطيني إنسان يحب الحياة أكثر ما يحب الموت، يحب أضحك، ويحب التأثير والتأثر، ويحب وصول الرسالة صادقة، إنسانية، بريئة، أنا موجود ومن حقي أعيش، ومن حقي أحلم، ومن حقي يكون لدي منزل، وأسرة، والعيش بأمان، وأنزع الخوف من جسدي كأني أنزع شوكة، وأحب أكون إنسان طبيعي، مثل أي إنسان في العالم يعيش حياة بها عدل وحقوق".
ورغم كل «العدم واللاشيء» في غزة، كما يصفها، يرى عبد الرحمن صباح أن الفيلم دليل على قدرة الفلسطيني على الصمود: " بإمكانياتنا البسيطة، وفكرنا البسيط، وفطرتنا الجميلة، استطعنا أن نصمد ونتحمل ونعمل ، ونوصل صوتنا ورسالتنا، وبلياتشو غزة هو صوت الإنسان الذي يرفض أن يختفي، ويصر على الضحك رغم كل شيء".
إبداع يمتزج بالمعاناة
الرحلة الإبداعية لهذا الفيلم امتزجت بالمعاناة الإنسانية، وكأنها رحلة حياة مليئة بالمخاطر والصبر والأمل، ففريق العمل كان كل يوم ينتظر ما يعرف بـ"تبة النويري"، هذا المكان الذي صار مشهورا على قنوات الأخبار، بوابة العودة إلى البيت والوطن والعائلة،، وهو ما يتحدث عنه عبد الرحمن صباح :" وصلنا له بعد أشهر طويلة من الغياب عن نصفك الآخر، وروحك، وأولادك وأقاربك وأصدقائك، ولحظة العودة كانت واحدة من أصعب التجارب التي واجهها الفريق، خصوصا مع اكتظاظ الناس وتزاحمهم.
خلال عمل الفيلم تعرض الفريق الفني للتشتت والافتراق في أكثر من مكان بسبب الحرب، حيث يقول مخرج الفيلم :" تهنا عن بعض كثيرا، والفريق تاه أيضا عن علوش في الطريق، كانت حالة صعبة للغاية علينا، ننتظر هذه اللحظة ونحاول توثيقها، لكن قطع الاتصال والجوالات الطافية جعلت الأمر أكثر مأساوية، واضطررت للانتظار طويلا، بينما البطاريات تفشل وأجهزة الاتصال لا تعمل، وكأن كل لحظة من التصوير كانت معركة بحد ذاتها".
ويستذكر تفاصيل المشقة التي واجهها للوصول إلى علوش، والمجهود الكبير الذي بذله وسط ظروف معقدة: " اضطررت أن أستأذن علوش وعائلته لانتظار بعض الوقت، بينما الأكل كان بسيطا للغاية، حلاوة وخبز فقط فقط، وعندما شعر بطل الهمل بالإرهاق استأذن بالرحيل، فعدت أنا بمفردي على الأقدام، وكل هذا تحت وطأة التعب النفسي والجسدي، وكان إحساسا مؤلما أن أهم لحظة في الفيلم، ذروته، لم توثق"
لكن رغم كل الصعاب، كان هناك شعور مفاجئ بالارتياح والأمل حين اكتشف صباح أن علوش وفريقه لم يغادروا: " المفاجأة كانت كبيرة عندما ذهبت إلى بيت مدير الإنتاج والمصور، ووجدت عبر اللابتوب أن علوش وعائلته بخير، كانوا مع المصورين وتمكنوا من العودة، شعرت حينها وكأن كل التعب ذاب، وكأنني تنفست من جديد، وكأن عزيمتي أخذت طاقة جديدة، شعور لا يمكن وصفه".
ويختم صباح حديثه بالتأكيد على ثقل الواقع الإنساني في غزة، الذي يرافق أي لحظة إبداعية: " أهم ما أريد قوله، هو أننا حتى في أوقات الهدنة أو وقف إطلاق النار، نعيش كل يوم إطلاق نار، شهداء، خوف ورعب، حياتنا هنا ليست مستقرة، ولا نستطيع الراحة، لكن رغم كل شيء، يجب أن نواصل العمل، أن نروي قصص أهل القطاع ونوثق حياتهم، ونحمل للعالم صورة الإنسانية وسط الحرب".
قصة المخرج عبد الرحمن صباح وفيلمه بلياتشو غزة، لا تعكس فقط التحديات الفنية، بل الأبعاد الإنسانية العميقة لهذا العمل الفني الذي أصبح شهادة على الصمود والإبداع في أصعب الظروف، ورؤية حية لمقاومة الفلسطينيين للحياة رغم كل ما يحيط بهم من محن.
مواجهة الألم بالعدسة وحمل رسالة غزة
في قلب الدمار والركام، حيث تختلط أصوات الانفجارات بصرخات الأطفال، يقف عبد الرحمن صباح حاملا أمانة كبيرة، أمانة توصيل صوت غزة إلى العالم، رغم أن الحياة نفسها قد أخذه من حوله أقسى الاختبارات، حيث يستحضر بأسى ذكريات فقده الأليم لزوجته، التي لم تتجاوز الـ33 من عمرها، وأرهقها المرض أثناء النزوح من مكان إلى آخر داخل غزة، حتى اضطرت الأسرة لتحويلها إلى مستشفى خارج القطاع، حيث اكتشف أنها مصابة بسرطان الدم من الدرجة الرابعة، حيث يقول زوجها : "ظلت سنة وتسع شهور في الخارج وتوفت بعد هذا التاريخ بسبب إصابتها بالسرطان في الحرب".
ألم كبير غمر حياته لكنه لم ينه عزيمته على الاستمرار، كما لم يقتصر الألم على فقدان الزوجة، بل امتد ليطال العائلة كلها، إذ فقد في أول أيام الحرب 35 من أفراد أسرته في ضربة واحدة، بين أشقاء وشقيقات وأقارب مقربين، في ضربة أصابت قلبه مباشرة، لكن لم تضعفه، "بالطبع لقد تأثرت إنسانيا، لكن علينا حمل الأمانة ومسؤولية إيصال صوت ومعاناة أهل غزة، فما أحكم الجلد إلا الظفر"، هكذا يؤكد صباح، متشبثا بالرسالة التي اختارها، فهي رسالة توثيق الألم والمعاناة اليومية التي يعيشها أهالي مدينته.
ومن خلال عدسته، يحاول صباح أن يضيء على قصص مطمورة، وأوجاع لم تسمع بعد، مع الحفاظ على روح الأمل والتحدي، "هذا الواقع ملئ بالألم والأمل والتحدي بنفس الوقت"، حيث يقول، متحدثًا عن التزامه المهني والإنساني في ظل حرب وصفها بـ"الإبادة الشرسة للغاية".
عبد الرحمن صباح ليس مجرد مخرج، بل شاهد على مأساة شعب بأكمله، وناقل لأصوات أولئك الذين فقدوا كل شيء، إلا قدرتهم على الصمود. في زمن الحرب والدمار، يبقى صوته شاهدا على الإنسانية الممزقة، ورسالة إلى العالم بأن غزة لا تزال حية، وأن أملها في من يحمل الحقيقة مهما كانت صعبة وثقيلة.