" التسلية هي الهدف الوحيد للفن" اتعجب كثيراً عندما يتفوه البعض بتلك العبارة الظالمة والمقلصة لدور الفن، فالمتعة والتسلية حقاً هي واحدة من أهم أهداف الفن وخصائصه، لكن لا يمكن أن نتجاهل دور الفنون على مدار التاريخ في توعية وتثقيف الجمهور، في تخليد السير الخالدة، في طرح مشكلات المجتمع بهدف المعالجة والبحث عن حلول وليس بهدف التشهير والتشويه، في انتقاد الأوضاع التي تشذ عن تقاليد المجتمع وتحيد عن أحكام العقائد الدينية، في إصلاح المجتمعات لا بتشويهها والنزول بها إلى القاع،
فالمتعة والتسلية " مصطلحات مطاطية مخادعة،لا يمكن الاعتماد عليها وحدها كدوراً للفن، فكم من عادات مذريه تحدث بهدف التسلية، وكم من أعمال فنية صنعت من أجل امتاع الجمهور وحسب، فضربت بالذوق العام عرض الحائط، وشوهت المجتمعات وأثرت سلباً على التطور الفكرى للمشاهد ، وتراجعت عن تعزيز الهوية لدى الشباب .
فهناك خيط رفيع بين المتعة الهادفة وغيرها الهادمة، وهذا ما تدركه جيداً الشركة "المتحدة للخدمات الإعلامية"، التي باتت تقدم أعمالاً فنية تجمع بين المتعة والإصلاح، بين التسلية ومعالجة المشكلات، بين الإبداع وعدم الانحراف، فقدمت أفلاماً سينمائية ومسلسلات وبرامج تليفزيونية تعالج قضايا المجتمع ، وتنتقد مشاكله تواجه النقائص ولا تدفن رؤوسها في التراب، تتطرق إلى ما هو مسكوت عنه ليتحول إلى قضايا رأى عام، تطرح بكل جرأة دون أن تجرح الجمهور ولا تهدم الأعراف وتحترم العقائد الدينية في أدق التفاصيل .
وهذا ما وضح جلياً في مجموعة من الأعمال الدرامية الاجتماعية التي أعادت لنا زمن الفن الجميل ، الذى يقدم مشاكل الأسر المصرية دون تشويه لها، ويهتم بخبايا الشباب ويتحدث معهم بطريقتهم ويقودهم نحو نقاش أكثر وعياً ولا ينساق لهم ولمتطلباتهم ليضمن أعلى نسبة مشاهدة .
والحقيقة يسيطر على ذاكرتي الانفعالية أثناء كتابة المقال مجموعة من الأعمال الدرامية التي أثرت بى بشكل شخصى وطرحت أسئلة كثيرة في ذهنى وجعلتنى أواجه العالم بشكل أكثر وعياً وموضوعية، ويعد مسلسل " تحت الوصاية" واحداً من تلك الأعمال الدرامية التى جعلتنى أشعر بمشاكل تلك الفئة من النساء اللائى تعرضن للظلم بعد وفاة الزوج، وتلك الهموم التي يقع فيها الأبناء لمجرد أن الأب رحل وترك إرثاً غير قادرين على استغلاله إلا من خلال الواصى، وجعلنى أفكر لماذا لم يسند القانون حق الوصاية أولى للأم ؟ والحقيقة أن تلك التساؤلات أعادت التفكير في قوانين الأسرة وفتحت باب النقاش في نقطة لم يطرحها أي عمل درامى من قبل، أما في مسلسل " لام شمسية" الذى قدمته الشركة المتحدة أيضاً في الموسم الرمضانى السابق، فكان بمثابة صفعة على وجه المجتمع المصرى، طرح قضية مسكوت عنها، وتسبب في حالة من الوعى الجماعى لدى أولياء الأمور والأبناء على حداً سواء، فبعد أن كان الجانى في مثل هذه الجرائم يعيش في الخفاء متمتع بانحرافه الأخلاقى، بينما يعيش المجنى عليه في سلسلة من المشاكل النفسية محاصر بمخاوف أحكام المجتمع ، أصبح الأن الطرف الأقوى الأشجع القادر عن الإفصاح غير مبالياً بأحكام المجتمع الذى وضحت له الصورة بعد التطرق المتزن لقضية التحرش بالأطفال في المسلسل، وأصبح الجانى مطارد من المجنى عليه ومن المجتمع ومن القانون المصرى الصارم في تلك الحالات .
أما مسلسل " ميد تيرم" فانحاز للشباب والأجيال الحديثة z وألفا، وقرر أن يواجه المجتمع بمشاكلهم مهما كانت طبيعتها، وأن يغير النظرة السائدة لكل ما هو جديد، فدائماً ما تتهم الأجيال الأقدم كل ما هو حدثى بالسطحية والفساد والتراجع الأخلاقى، لكن المسلسل هنا أعاد ترتيب المشهد، وأرجع المشاكل لأصحابها الحقيقين، وأثبت من خلال حكايات لمجموعة من الأصدقاء أن أولياء الأمور قد يكونوا هم أيضاً من أسباب انحراف أبنائهم، وأن المشاكل الأسرية قد تكون سبباً في التشوه النفسى لدى الأبناء، فوجه رسائل مباشرة للأباء وأخرى غير مباشرة لتوعية الأبناء .
ومن الشباب إلى عالم الأطفال اخترق مسلسل " لعبة وقلبت بجد" هذه الفئة العمرية التي لم ينظر لها عملاً در امياً من قبل، وكشف عن عالم الألعاب السرية والجانب المظلم من التكنولوجيا التي قد تنهى مستقبل أبنائنا وقد تهدد حياتهم، وانتقد الأباء الذين اتخذوا من الهاتف المحمول والبرامج الإلكترونية سبيلاً لإلهاء أطفالهم، وتركوهم لشخصيات وهمية تتحدث إليهم من خلال تلك الغرف السرية غير معروفة الهوية مثلما يحدث في لعبة " روبلوكس"، والتي تحدث عن خطورتها العمل وتسبب في قرار منعها من مصر، ليتجلى دور القوى الناعمة في تسليط الضوء على القضايا الشائكة وطرحها للتغيير .
أما بالنسبة لتعزيز الهوية الوطنية لدى الشباب وسط تحديات التكنولوجيا واقتحام الثقافات الأخرى وهيمنة الأعمال الدرامية الغربية من خلال بعض المنصات العالمية التي تبث معلومات مغلوطة عن تاريخنا وهويتنا ومفاهيمنا المجتمعية، فجاءت الأعمال التأريخية المستوحاه من قصص أبطالنا في الجيش والشرطة وغيرهم من الأبطال الوطنيين الذين قدموا أرواحهم فداءا لمصر وأمان شعبها، نموذجا محفزاً لتلك الأجيال ، فكان لـ" الاختيار " وما قدمه من قصص بطولية يتخللها إصلاح أخلاقى ومواقف إنسانية تمتع بها الأبطال في انصراف قطاع كبير عن تلك الأجيال المنبهرة بالغرب عن تلك المفاهيم المغلوطة التي طالما بثت إليهم، وعززت الحس الوطنى لدى الشباب ورفعت من روح الانتماء وأحدثت حالة وطنية في الشارع المصرى ، تسبب في رعب أعداء الوطن .
وهذا ما اتواقع حدوثه، بعد الإعلان عن مسلسل " رجال الظل" عملية رأس الأفعى، خاصة بعد الإفصاح عن رأس الأفعى الحقيقى " محمود عزت" أحد قيادات الجماعة الإرهابية ، والذى يلعب دوره الفنان " شريف منير" ، فبمجرد عرض " البرومو "التشويقى للعمل، تحمس الجمهور المصرى وتوتر أعضاء الجماعة الإرهابية، فما بالك مع بداية عرضه ؟!، والحقيقة أننى مستبشرة خيراً بكل الأعمال الفنية المقدمة من قبل الشركة المتحدة للخدامات الإعلامية هذا الموسم الرمضانى، وما بها من تنوع ومواكبة لكل الأذواق ، ومتأكدة من محتواها الذى يحترم المواطن المصرى ويعمل على بنائه ويرفع الوعى شعاراً له ويضع مشاكل المجتماعات المصرية أولوية له دون تجريح أو تشويه .