الدكتوره بوسي عبد العال تكتب: ضحك على السطح.. وانهيار في العمق: التنمّر بين الشباب

الجمعة، 06 فبراير 2026 05:44 م
الدكتوره بوسي عبد العال تكتب: ضحك على السطح.. وانهيار في العمق: التنمّر بين الشباب بوسي عبد العال

في مشهد يبدو عاديًا للوهلة الأولى، ضحكات متبادلة وتعليقات ساخرة ومقاطع منتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، يختبئ خلف هذا الضجيج ألمٌ نفسي عميق يعيشه كثير من الشباب بصمت. إنه التنمّر، السلوك الذي لم يعد مجرد تصرّف فردي عابر، بل تحوّل إلى ظاهرة مجتمعية تهدد الصحة النفسية والاستقرار الاجتماعي لجيل كامل.


التنمّر بين الشباب اليوم يتخذ أشكالًا متعددة، تبدأ من السخرية والاستهزاء، ولا تنتهي عند الإقصاء والتشهير والتقليل من الشأن. قد تكون الكلمة جارحة، أو نظرة مهينة، أو تعليقًا عابرًا على شكل أو رأي أو خلفية اجتماعية، لكنها في مجملها تُشكّل سلسلة من الضغوط النفسية التي تترك آثارًا طويلة المدى. الأخطر أن هذا السلوك غالبًا ما يُبرَّر تحت مسمى “المزاح” أو “الهزار”، في تجاهل واضح لحقيقة الألم الذي يسببه.


لم يعد التنمّر مقصورًا على المدارس أو الجامعات، بل تمدّد بقوة إلى الفضاء الإلكتروني، حيث أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي مسرحًا مفتوحًا للإيذاء النفسي. فالصورة الساخرة، أو التعليق اللاذع، أو المشاركة المهينة، يمكن أن تنتشر في دقائق، لتُحاصر الضحية في كل وقت ومكان. ومع غياب المواجهة المباشرة، يشعر المتنمّر بقوة زائفة، بينما تتضاعف معاناة الضحية تحت ضغط المتابعة والانتشار.


وتشير التجارب الواقعية إلى أن آثار التنمّر لا تتوقف عند لحظة الإيذاء، بل تمتد لتشمل فقدان الثقة بالنفس، والعزلة الاجتم

اعية، والقلق، وربما الاكتئاب. وفي بعض الحالات، يدفع الصمت والخوف من الوصم الشباب إلى كتمان معاناتهم، ما يجعل الألم أكثر عمقًا وخطورة.
تتعدد أسباب انتشار التنمّر بين الشباب، من غياب الوعي بثقافة الاختلاف، وضعف التربية على احترام الآخر، إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع البعض لتفريغ إحباطهم في الآخرين. كما يسهم بعض المحتوى الإعلامي والرقمي في تطبيع السخرية باعتبارها مادة للترفيه، دون الالتفات إلى تأثيرها النفسي المدمر.


غير أن أخطر ما في التنمّر ليس الفعل ذاته فقط، بل الصمت المحيط به؛ صمت الضحية خوفًا، وصمت المحيطين تهاونًا، وصمت المجتمع أحيانًا بدعوى الانشغال. هذا الصمت يحوّل التنمّر من سلوك مرفوض إلى ممارسة متكررة، ويمنح المتنمّر شعورًا بعدم المحاسبة.


مواجهة التنمّر بين الشباب تتطلب وعيًا جماعيًا يبدأ من الأسرة، ويمتد إلى المؤسسات التعليمية والإعلامية. فالتفرقة بين المزاح الصحي والإيذاء النفسي ضرورة، وترسيخ قيم الاحترام وقبول الاختلاف لم يعد ترفًا، بل مسؤولية. كما أن توفير مساحات آمنة للشباب للتعبير عن مشاعرهم والاستماع إليهم بجدية يمثل خطوة أساسية نحو الحل.


قد نرى ضحكًا على السطح، لكن ما يجري في العمق أكثر قسوة. والتنمر، مهما بدا بسيطًا، يظل خطرًا حقيقيًا يهدد شباب اليوم ومستقبل المجتمع بأكمله، ولا يواجه إلا بوعي، ومسؤولية، وإنسانية حقيقية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة