على مدى سنوات شهدت العلاقات المصرية التركية تطورات كبيرة، فى العلاقات الثنائية أو العمل المشترك، وبجانب نمو العلاقات المصرية التركية فى الاقتصاد والتجارة والصناعة والقطاع الخاص فى البلدين، فقد تم بناء توافق كبير فى القضايا الإقليمية والدولية، خاصة التى تمثل ضغطا وتحديا كبيرا فى الإقليم وتنذر بانعكاسات خطيرة تضر بمصالح الدول.
الزيارة التى يقوم بها الرئيس رجب طيب أردوغان لمصر، ليست الأولى بل الرابعة، حيث كانت الزيارة الأولى فى فبراير 2024، ثم فى ديسمبر من نفس العام، وآخرها فى أكتوبر الماضى، حيث كان الرئيس أردوغان ضمن الرؤساء الحضور فى قمة شرم الشيخ للسلام. بينما زار الرئيس عبدالفتاح السيسى تركيا رسميا فى سبتمبر 2024، فى زيارة تاريخية كانت تتويجا لمرحلة من التنسيق والتوافق والتعاون السياسى والاقتصادى.
أما الزيارة الحالية للرئيس التركى للقاهرة فهى تأتى فى توقيت دقيق ومهم، بجانب كونها ضمن عملية تنمية العلاقات بين البلدين بشكل متصاعد طوال السنوات الأربع الأخيرة، حيث يترأس كل من السيسى وأردوغان الاجتماع الثانى لمجلس التعاون الاستراتيجى رفيع المستوى بين البلدين، والذى يتضمن الكثير من التفاصيل ضمن العمل الاقتصادى، وحسب أحدث البيانات الرسمية بلغ التبادل التجارى بين البلدين نحو 6.8 مليار دولار خلال عام 2025، صادرات مصر لتركيا نحو 3.2 مليار دولار، بينما الصادرات التركية تبلغ نحو 3.5 مليار دولار، وارتفعت الاستثمارات التركية فى مصر إلى 175.1 مليون دولار خلال 2024/2025، وتعمل بمصر عشرات الشركات التركية باستثمارات تتجاوز 3 مليارات دولار، تتركز بشكل أساسى فى قطاعات المنسوجات، الملابس الجاهزة، والكيماويات والجلود. ويتوقع أن تتضمن الزيارة الحالية توسيعا للتعاون فى قطاعات الطاقة المتجددة، والغاز الطبيعى، والتصنيع العسكرى، وتفعيل منتدى الأعمال المصرى التركى، لزيادة الشراكات بين القطاع الخاص فى البلدين.
ومع الاقتصاد هناك تفاهم وتوافق مشترك بين مصر وتركيا حول سبل التعامل مع الأزمات والتحديات التى تواجه المنطقة، ويسعى البلدان إلى نزع فتيل التوتر وامتصاص الصدام بين الولايات المتحدة وإيران، توخيا لصدام يهدد باختلالات وانعكاسات سلبية بالإقليم.
وهناك توافق «مصرى - تركى» على دعم المسارات السياسية فى ليبيا واليمن والسودان، وإبعاد التدخلات الخارجية، حيث إن مصر وتركيا دولتان فاعلتان على الصعيدين الإقليمى والدولى، ولكل منهما طموحاته ونفوذه وارتباطاته بدوائر صنع القرار العالمية، ما يجعل التنسيق بينهما أمرا طبيعيا ومثمرا فى كل القضايا، بجانب استمرار نجاح السياسة المصرية للتعاون والشراكة وامتصاص التوترات ودعم المسارات السياسية، وهى سياسة تثبت صحتها وقدرتها على اجتذاب الثقة إلى الرؤية المصرية.
وبالطبع فإن القضية الفلسطينية تشغل كلا من مصر وتركيا، بوصفهما متوافقتين على الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب والاتجاه إلى الإعمار والتعافى فى غزة، ووقف الخروقات وسياسات العدوان للاحتلال، حيث كان موقف القاهرة وأنقرة طوال عامى الحرب متوافقا على رفض التهجير والتصفية وحرب الإبادة، والآن هناك مساع لإنهاء التوترات والاتجاه إلى حل الدولتين ومسار السلام.
ولا يتوقف التنسيق المصرى التركى على القضية الفلسطينية، بل يمتد ليشمل قضايا إقليمية أخرى وتنسيقا إقليميا مع الدول الفاعلة، لمواجهة التحديات والصراعات التى تنعكس سلبا على الإقليم، وهو ما يبقى ضمن سياسات إقليمية لمواجهة التحديات بالتعاون والتوافق، بعيدا عن التدخلات الخارجية والتقاطعات غير المرغوبة.
