جهاد الديناري تكتب: بيتر ميمي "كلمة السر" في نجاح الدراما الوطنية.. من "الاختيار" إلى "صحاب الأرض" توثيق وتأريخ وتوعية

الجمعة، 27 فبراير 2026 12:31 ص
جهاد الديناري تكتب: بيتر ميمي "كلمة السر" في نجاح الدراما الوطنية.. من "الاختيار" إلى "صحاب الأرض" توثيق وتأريخ وتوعية جهاد الدينارى - مسلسل صحاب الأرض

أصبح اسم المخرج "بيتر ميمي" ماركة مسجلة وعلامة ثقة بالنسبة للجمهور، فبمجرد أن ينسب العمل الفني له، فيلماً كان أو مسلسلاً تليفزيونياً، بإمكانك أن تتأكد من جودته وأهميته سواء على المستوى الفني والتقني أو على مستوى القصة والفكرة بشكل عام، خاصة بالنسبة للأعمال الوطنية التي من شأنها أن تسرد فصولاً حساسة من تاريخ الوطن، فاستطاع أن يخلق شكلاً جديداً يجمع بين التوثيق والتأريخ وبين المتعة الدرامية والخيال الفني، فراح منطلقاً بين ما هو واقعي وتاريخي وبين ما هو مداعب لخيال المتلقي ومثير لحماسته.

فتعد الدراما الوطنية واحدة من أصعب أنواع الدراما التي لا يجيد تنفيذها سوى فنان يجمع بين جدية الطرح وحرفية المعالجة، فمن المعروف أن السردية التاريخية هي الأعقد بالنسبة للمتلقي أو المشاهد البسيط غير المتخصص؛ لأن بعض الكتاب والمخرجين يجعلون العمل يعج بالتواريخ والأحداث الجامدة دون روح وكأنك تسرد منهجاً دراسياً وتملي على الجمهور رؤيتك دون أدنى نظر إلى متطلباته، والبعض الآخر يميل إلى الخيال المطلق ويبتعد عن الواقع ويقع في بئر التحريف أو المبالغة.

لكن في الحقيقة استطاع "بيتر ميمي" أن يقف في منطقة الوسط، يسرد دون إغفال، ويوثق دون ملل أو إخلال بالإيقاع، ويترك لخياله القرار في تدفق الحبكة ونسج خيوطها بالشكل الذي يجعلها حقيقة تنافس الخيال، فسرد بطولات الجيش والشرطة بانسيابية درامية وتوثيق إخباري فلمس القلب والعقل في آن واحد، وصنع خلطة سرية تقرب الجمهور من أبطاله الواقعيين، وهذا ما تجلى في "الاختيار" الجزء الأول من إنتاج الشركة المتحدة، والذي سرد من خلاله بطولة الشهيد المنسي، عرض حياته بكل جوانبها الإنسانية والعاطفية ووثق تضحياته وبطولاته وسيرته داخل الجيش المصري، وجعل من الليلة التي عرضت فيها حلقة أحداث "كمين البرث" ليلة بكى فيها الشعب المصري بالكامل.

وأتذكر جيداً عندما تواصل معنا في "اليوم السابع" ليستجمع موادنا الإخبارية والمرئية التي توثق جرائم الإخوان في فترة الحكم وبعد انقلاب الشعب عليهم، والحقيقة أنني تعجبت من هذا الكم الهائل الذي طلبه، كيف سيوظفه في الدراما وهو مادة جامدة لا يمكن استخدامها إلا في أفلام التوثيق!
ولكن تحول تعجبي إلى إعجاب حينما شاهدت مسلسل "الاختيار" الجزء الثاني والثالث، أيضاً من إنتاج الشركة المتحدة، فجعل المشاهد يتنقل بين التمثيل والتوثيق، يرى المشهد الدرامي ويتفاعل مع أداء الممثلين ويتعاطف مع الأبطال ويهاجم الأعداء، ثم يلحقه بخبر أو فيديو أو لقاء يعيد المتلقي إلى الواقع دون أن يفصله عن الدراما، يجعله متأكداً من إحساسه الذي تركه له السرد، واثقاً من أن تعاطفه مع البطل كان على حق وأن كرهه للإرهابي المتطرف في محله لأنه على باطل.

واستكمل ملحمة إبداعه في مسلسل "أصحاب الأرض" من إنتاج المتحدة أيضاً، والذي من شدة واقعيته أربك صفوف العدو، للدرجة التي جعلت متحدثة جيش الكيان تخرج عن صمتها وتهاجم العمل خوفاً من أن يكون تأثيره أكبر من الأسلحة النووية، فالعمل ممتاز بكل المقاييس والحسابات النقدية؛ أداء النجمة منة شلبي يسبق الواقع بخطوتين، والنجم إياد نصار جعلنا نتوحد معه أمام الشاشة، وعصام السقا بمجرد "كلاكس" وصل صوتنا إلى تل أبيب.

ولا يمكن أن نغفل الديكور الذي حول موقع التصوير إلى جزء حقيقي من أرض غزة الصامدة، فضلاً عن الصورة السينمائية التي تلاحمت مع الكادرات والزوايا التي تحمل رمزاً وأيقونة تصب في الهدف العام للعمل، فكادرات المخرج لم تكن بالصدفة ولم تعتمد على الجانب الفني وحسب، إنما تحولت إلى "فهامة" ترشد المتلقي لمعنى معين وكأنها عين المخرج ورؤيته التي دلتنا إلى ما أراد لنا أن نراه.

وبكل هذه العناصر استطاع بيتر ميمي خلق طقس وطني وحماسي أعاد به القضية إلى الرأي العام المحلي والعالمي.

فلم نشعر ولو للحظة أننا نشاهد القصة من بعيد، أو أن شاشة التلفاز تفصل بيننا وبين تلك المشاهد الدامية، بالعكس تماماً شعرنا أننا نعيشها، نشارك أبطال العمل وأبطال الواقع في كل لحظة، نشعر بالضغط النفسي الذي يمرون به، يصعب علينا التقاط أنفاسنا عندما يتعرضون للتعدي، ونقف عاجزين عندما تتعرض فتاة للتحرش أو يخضع طفل لعملية جراحية معقدة بدون حتى مخدر موضعي.

أصبحنا لا نشعر بالأمان أمام الشاشة؛ لأن الطبيبة "منة شلبي" كانت تعقم جسدها لتقوم بإجراء عملية جراحية، وبدون سابق إنذار جاءت الضربة الغادرة لتفجر المستشفى بالكامل، فمن أين يأتي الإحساس بالأمان ونحن نعيش معهم أدق التفاصيل، المُر منها والأمرّ؟ فلا مكان للحلو في غزة بعد أحداث 7 أكتوبر، حتى تلك اللحظات النادرة التي يحاول فيها أصحاب الأرض الاستمتاع بأبسط حقوقهم المختزلة في مشاهدة مباراة كرة قدم مصرية بين فريقي الأهلي والزمالك، ينقلب تشجيعهم لصراخ مفاجئ بعد أن أكلت نيران العدو منازلهم.

ففي الوقت الذي تحاول فيه -عزيزي المشاهد- أن تندمج مع محاولاتهم في الخروج عن واقعهم القاسي، يأتي القصف ليعيد المشهد لطبيعته الدامية، فيشعر أصحاب الأرض بالإحباط وتشعر أنت بما يمرون به، ولم تستطع الأخبار التقليدية أو التغطيات الإعلامية أو التقارير الدولية نقله لك كما هو، فالحقيقة أنني قبل متابعة مسلسل "أصحاب الأرض" كنت أعتقد أن لدي رؤية كاملة عما حدث بغزة بعد 7 أكتوبر، لكن يبدو أن حالة التوحد التي خلقها "بيتر" بين المشاهد وما يحدث بواقع غزة، جعلتني أشعر أنني كنت بعيدة تماماً عن الواقع الفلسطيني.

فلم أعد أشعر بالتعاطف بعد الآن؛ لأنني كمشاهد مصري أصبحت جزءاً من الحدث، جعلتني الدراما أتعايش مع أهل غزة وأنا لم أتحرك خطوة من مكاني في مصر، فتبدلت مشاعر التعاطف بالقلق والضغط العصبي والنقمة والرغبة في الانتقام، فلم أعد مشاهدة وحسب إنما أصبحت مشاركة، وكل هذا من وجهة نظري يحسب لكل صناع العمل وعلى رأسهم "تميمة النجاح" المخرج بيتر ميمي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة