فى مسلسل صحاب الأرض لا يتكئ السيناريو على القضية الكبرى أو الحدث الكبير وحده، بل يُشيّد معناه من مشاهد تبدو صغيرة، لكنها تحمل ثقل العالم، مشاهد متفرقة تتجاور فتصنع مشهدا معبرا، يصير بقوة السيناريو أقوى من كل الضربات والعمليات، فيربك الكيان وينسف روايته ويصير مقابلا لصورايخهم اقوى بإتقان الحوار والسيناريو، الذى يصنع نسيجا دقيقا تتعانق فيه البراءة مع الفقد، والجوع مع الكرامة، والإيمان مع الشك، فلا تملك سوى رفع القبعة لصناع العمل خاصة المؤلف عمار صبرى والسيناريست محمد هشام عبية.
فى مشهد حاولت فيه الطبيبة المصرية سلمى، والتى تقوم بدورها الفنانة الكبيرة منه شلبى التهوين على الأطفال المصابة فى الحرب فطلبت منهم لعب لعبة، الحلم ببناء مدينة، مجرد خيال يبعث الأمل، فجاء الخيال محملا بالوجع، وملاذا مؤقتا للهروب من الرعب، بداية من اسم المدينه المقترح من احد الأطفال (هنسميها مدينة البطاطا) لا يبدو الاسم عابرًا؛ إنه حلم بسيط، مكثف، يختزل أمنية الطعام فى كلمة. تسأل أخرى: «هيكون فيها أكل؟» فيرتجف القلب مع السؤال، وثالثة تحذرها من السكن فى الأدوار العالية «علشان القصف». هنا تتجلى الدقة المؤلمة: حتى الخيال صار خاضعًا لقوانين الخوف. لا شعارات، لا خطب، فقط حوار طفولى يكشف حجم المأساة أكثر مما تفعل ألف صورة.
جاء أيضا مشهد «صلاة الغائب» فى أولى الحلقا ليمنح الدراما لحظة مفارقة إنسانية نادرة. يقف ناصر المواطن الفلسطينى الذى يؤدى دوره الفنان اياد نصار الصف خلف صديقه الذى يعلن أسماء الشهداء، ومن بينهم اسمه، لحظة يتقاطع فيها العبث مع القدر. يقطع ناصر الصلاة بعفوية (ابو على انا هنا .. أنا ناصر .. أنا لسه عايش)..الجملة بعفويتها، تفتح بابًا واسعًا للتأمل: كم مرة يصبح الإنسان شاهدًا على موته الرمزى قبل أن يموت حقًا؟ السيناريو هنا لا يسعى إلى الإدهاش بقدر ما يضعنا أمام هشاشة الحياة وثقلها فى غزة.
وفى مشهد آخر يجمع بين سلمى وناصر يبلغ فيه الصدق ذروته، ينفجر بالبكاء حين يرى جنود الاحتلال ينبشون حفرة دفن فيها مجموعة من شهداء القصف فينفجر ناصر فى البكاء وتسأله سلمى عن السبب فيقول بعفويه (بيت خويا كلهم راحو فى القصف وملحقتش أبكى عليهم)
هنا تتجلى براعة الكتابة فى الاقتصاد؛ جملة واحدة تختصر فجيعة مؤجلة، البكاء ليس فقط على الموت، بل على تأجيل الحزن، على العجز عن ممارسة أبسط حقوق الفقد، انشغالا بالمحاولات المستمرة للحفاظ على حياة ابن أخيه المصاب والطمأنينه على ابنته وابجاد الطعام والبحث عن اوراقه للخروج من غزة.
بهذه المشاهد، يثبت السيناريو أن الحقيقة لا تحتاج مبالغة، بل عينًا ترى التفاصيل وقلبًا يصغى لهمسها. يتركنا أمام وجع إنسانى صافٍ، لا يطلب تعاطفًا، بل يوقظ ضميرًا