دخلت المكسيك مرحلة أمنية جديدة بعد الإعلان عن مقتل نيميسيو أوسيجيرا سيرفانتس، المعروف باسم إل منتشو، زعيم كارتل خاليسكو الجيل الجديد، فى عملية عسكرية نفذتها القوات الفيدرالية المكسيكية، الحدث لم يكن مجرد ضربة لواحد من أخطر زعماء المخدرات فى البلاد، بل شكل نقطة تحول سياسية وأمنية قد تعيد رسم ملامح الاستراتيجية المكسيكية فى مواجهة الجريمة المنظمة.
وسارعت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم، إلى التأكيد أن العملية تمت بسيادة كاملة، مشددة على أن القوات المكسيكية هي من نفذت المهمة دون تدخل عسكرى أمريكى مباشر، مع وجود تبادل معلومات استخباراتية فقط، وهذا التصريح يعكس حساسية العلاقة بين مكسيكو سيتي وواشنطن، خاصة في ظل تصاعد الخطاب الأمريكي تجاه الكارتلات.
ويأتي مقتل إل منتشو يأتى فى سياق ضغوط متزايدة من الولايات المتحدة، خصوصًا بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وإعلانه تصنيف عدد من الكارتلات المكسيكية كـ«منظمات إرهابية أجنبية». هذا التصنيف لم يكن رمزيًا فحسب، بل حمل تهديدًا ضمنيًا بإمكانية توسيع نطاق التدخلات الأمنية الأمريكية خارج الحدود، وهو ما دفع الحكومة المكسيكية إلى إعادة تموضعها أمنيا.
نهاية سياسية العناق
على مدار سنوات حكم الرئيس السابق أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، تبنت المكسيك سياسة عُرفت بشعار العناق لا الرصاص، والتي ركزت على معالجة الجذور الاجتماعية للعنف مثل الفقر والتهميش بدلًا من المواجهة العسكرية المباشرة، غير أن النتائج كانت محل جدل واسع، إذ استمرت معدلات العنف المرتفعة، وازدادت قوة بعض التنظيمات الإجرامية.
واليوم، يبدو أن شينباوم تتحرك في اتجاه مختلف، أي نهاية سياسة العناق، فالإجراءات الأمنية الأخيرة تشير إلى عودة الدولة بقوة إلى خيار المواجهة المباشرة، خلال الأشهر الماضية، أعلنت الحكومة عن اعتقال عشرات الآلاف من المشتبه بهم في جرائم خطيرة، وضبط كميات ضخمة من الأسلحة والمخدرات، إلى جانب تفكيك مئات المعامل السرية لإنتاج المواد المخدرة، خاصة الفنتانيل الذي أصبح محور قلق أمريكي بالغ.
ويحذر خبراء الأمن من أن استهداف قيادات كبرى قد يؤدي إلى تفكك داخلي وصراعات دامية على النفوذ داخل الكارتلات، ما يرفع منسوب العنف مؤقتًا، وأظهرت التجارب السابقة في المكسيك أن قطع الرأس لا يعني دائمًا نهاية التنظيم، بل قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من الفوضى.
محاولات استعادة سيطرة الدولة وفرض القانون
في المقابل، تسعى الحكومة المكسيكية إلى طمأنة الداخل بأن الهدف هو استعادة سيطرة الدولة وفرض القانون، وليس فقط إرضاء واشنطن، فالرأي العام المكسيكي منهك من سنوات العنف، ويتطلع إلى نتائج ملموسة تنعكس على الأمن اليومي للمواطنين.
أما على مستوى العلاقات الثنائية، فالتعاون الأمني بين البلدين يشهد مرحلة دقيقة. فبينما تؤكد مكسيكو سيتي تمسكها بمبدأ التنسيق دون تبعية، فإن تسليم مطلوبين بارزين إلى الولايات المتحدة وتعزيز الانتشار الأمني على الحدود الشمالية يعكسان مستوى غير مسبوق من التنسيق.