تابعت باهتمام بالغ مقال رئيس تحرير جريدة اليوم السابع الكاتب الصحفي الكبير عبدالفتاح عبد المنعم تحت عنوان على هامش فكرة حسن هيكل.. لماذا نخاف من الأفكار الكبيرة بدلا من مناقشتها.. المقايضة الكبرى ليست خطة جاهزة للتنفيذ بقدر ما هى إطار يدعو إلى إعادة التفكير فى كيفية إدارة أزمة الدين السيادى.
ومن هذا المنطلق والمبادرة فأني أقدم هذا المقترح حيث يُثار سؤال التغير في المجتمعات عادةً في لحظات التحول الكبرى، حين يصبح الاستمرار في الأدوات التقليدية لإدارة الدولة أقل قدرة على تحقيق الطموحات الوطنية. والسؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى التغير؟ بل: هل نملك الشجاعة الفكرية والمؤسسية لإدارته؟
إن التجربة المصرية، مثل كثير من تجارب الدول النامية، تكشف عن فجوة واضحة بين مركزية اتخاذ القرار من جهة، وخصوصية الواقع المحلي من جهة أخرى. هذه الفجوة لا تعني بالضرورة فشل الدولة، لكنها تشير إلى الحاجة لإعادة التفكير في آليات العمل داخل إطار الدولة الواحدة الموحدة، دون المساس بطبيعتها أو تهديد تماسكها.
من هذا المنطلق، تبرز فكرة إنشاء مجالس أعمال استشارية في كل محافظة باعتبارها أحد المسارات الممكنة لتعميق المشاركة المحلية في صنع القرار التنموي. هذه المجالس لا يُقصد بها أن تكون بديلاً عن مؤسسات الدولة، وإنما أداة داعمة لها، تستوعب خبرات رجال الأعمال والمستثمرين ونواب البرلمان، وتضع هذه الخبرات في خدمة أهداف المحافظة والدولة معًا.
فالمحافظة ليست مجرد وحدة إدارية، بل كيان اجتماعي واقتصادي له خصائصه، وموارده، وتحدياته. وما يصلح كفرصة استثمارية في محافظة ساحلية قد لا يكون مناسبًا لمحافظة زراعية أو حدودية. ومن هنا تأتي أهمية وجود هيئة استشارية عليا داخل كل محافظة، تكون مهمتها الأساسية بلورة الأفكار الاستثمارية، حتى وإن بدت صغيرة في بدايتها، لأن التجارب الكبرى أثبتت أن الأحلام الكبيرة تبدأ غالبًا بأفكار بسيطة، نمت في بيئة حاضنة، ووجدت من يرعاها ويمنحها الثقة.
غير أن نجاح مثل هذه المجالس يتطلب تحديدًا دقيقًا لاختصاصاتها، حتى لا تتحول إلى عبء بيروقراطي جديد، أو باب خلفي لإرباك منظومة القرار. فالمطلوب ليس فتح المجال للفوضى، ولا منح صلاحيات مطلقة، وإنما تفويض منضبط يسمح بسرعة اتخاذ القرار داخل الإطار القانوني العام، ويقلل من حلقات التعطيل، دون أن يخلق بيئة خصبة للفساد أو تضارب المصالح.
وفي هذا السياق، يمكن التفكير في منح هذه المجالس دورًا استشاريًا مُلزمًا في ما يتعلق بجذب الاستثمار المحلي، ووضع خريطة أولويات تنموية للمحافظة، على أن تظل القواعد السيادية العامة موحدة على مستوى الدولة. فالتنوع في الأدوات لا يعني التناقض في الأهداف.
أما المسألة الثانية، فهي مسألة الإدارة المحلية والقيادات المنتخبة. فالديمقراطية المحلية لا تكتمل بمجرد إجراء انتخابات، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، من خلال إعداد وتأهيل من يتقدمون لتحمل المسؤولية. إن انتخاب رؤساء المجالس المحلية خطوة مهمة، لكنها تصبح بلا جدوى إذا لم يُصاحبها حد أدنى من الكفاءة والخبرة.
ومن هنا، يبدو مقترح ربط الترشح بتوافر سيرة ذاتية واضحة، أو الخضوع لبرامج تدريب وتأهيل تمتد لفترة زمنية كافية، مقترحًا عقلانيًا لا ينتقص من حق الترشح، بل يرفعه إلى مستوى المسؤولية العامة. فالإدارة المحلية ليست ساحة للتجريب، بل ميدان عمل يتطلب معرفة بالقانون، والاقتصاد، والتخطيط، وإدارة الموارد.
ولعل التخوف التقليدي من أن تؤدي مثل هذه الطروحات إلى نوع من “الفيدرالية المقنعة” هو تخوف مفهوم، لكنه ليس بالضرورة دقيقًا. فالفيدرالية تتعلق بتوزيع السيادة، أما ما نتحدث عنه هنا فهو توزيع للاختصاصات داخل السيادة الواحدة، بهدف تخفيف العبء عن المركز، ورفع كفاءة القرار المحلي، دون المساس بوحدة الدولة أو سلطتها.
إن الدولة القوية ليست تلك التي تتركز فيها كل القرارات، بل تلك التي تحسن توزيع الأدوار، وتثق في مؤسساتها، وتفتح المجال للأفكار، حتى القادمة من القرى والنجوع. فالتنمية الحقيقية لا تُفرض من أعلى فقط، بل تُبنى من أسفل أيضًا، حين يجد المواطن أن فكرته مسموعة، وجهده مقدَّر، ومشاركته ذات معنى.
وفي النهاية، يبقى سؤال التغير مفتوحًا: هل نحن مستعدون له؟ الاستعداد لا يعني امتلاك الإجابات النهائية، بل امتلاك القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، وفتح النقاش العام حولها، بثقة ووعي ومسؤولية.