شهادة لصالح فريق العمل فى أصحاب الأرض، نحن أمام عمل لم يأتى مجرد دفقات عاطفية، لكنه نسيج إنسانى من لحم ودم وأمل وألم وفراق وصمود، عمل يحمل روحا حكاءة، قادرة على انتزاع المتعة بجانب تشويق مؤلم، نحن أمام عمل محبوك، كل خيط فيه وكل سطر، يقدم رواية واضحة، وموقفا إنسانيا، وليس مصريا عن قضية تحمل روحا أزلية، ولهذا فإن من عاصروا عامين من حرب الإبادة، سوف يفاجئهم عالم الدراما بزوايا عميقة لأرواح الفلسطينيين، الأطفال والبشر، والحيرة التى تنتزع الأمل من قلب المواجهة حتى لو كان الموت قابعا طوال اللحظات، ويرد العمل الدرامى على ادعاءات الاحتلال وأكاذيبه، ويفضح عدوانية وعنصريته، من زاوية إنسانية، تعكس موقف مصر والمصريين من القضية بشكل مستمر وعلى مدى عقود.
منذ اللقطات الأولى لدراما «صحاب الأرض»، يشتبك المشاهد مع واقع بالرغم من أنه يعرفه، يشعر داخله بمشاعر متشابكة ومتقاطعة، وقصص إنسانية تبدو كأنها تكوى على الجلد بكل التفاصيل المؤلمة والفقد والحرمان، والعدوان، فالواقع أن الحرب عادة لها انعكاسات وتفاصيل إنسانية، مشتركة بين أطرافها، لكن فى قضية فلسطين، نحن لسنا أمام حرب وإن كانت شرارتها تبدو كذلك، نحن أمام عدوان من طرف واحد يمتلك كل أدوات القتل المشروعة والمحرمة والمتجاوزة لكل المنطق والأعراف والقواعد، نحن أمام عدوان الموت فيه قاعدة، والاستثناء هو النجاة.
خلال الدقائق الأولى نحن أمام مشهد واضح اياد نصار «ناصر» يخرج من المنزل ليتحدث فى التليفون لأن الشبكة ضعيفة فى لحظات تأتى قذيفة على المنزل، ويسقط من فيه بين شهيد وجريح، وتجسد تارا عبود شخصية «كرمة» ابنة «ناصر» التى تعيش لحظات قاسية بعد أن فرقت الحرب بينها وبين والدها، الذى يفترض أنه حصل على تصريح بالسفر إلى الضفة الغربية، لكنه يظل محاصرا داخل قطاع غزة، حيث انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت، تحاول كرمة الاطمئنان عليه عبر مكالمات فيديو متقطعة تنتهى فجأة عقب الغارة التى استهدفت مكانه، وتعيش صراعا بين قلقها عليه ومسؤوليتها فى رعاية شقيقتيها الصغيرتين.
ويبدأ العمل بقافلة طبية وإغاثية مصرية، ومنة شلبى أو الطبيبة سلمى شوقى، من قسم الحالات الحرجة تدخل إلى قطاع غزة، لتشارك ضمن قافلة الإغاثة المصرية، وتتقاطع رحلة الطبيبة سلمى مع مسار ناصر الفلسطينى الساعى لإنقاذ ابن شقيقه من تحت القصف، لتنمو بينهما علاقة إنسانية عميقة، تكشف وجوهًا متعددة للألم والأمل والحرب والعدوان غير الإنسانى، حيث تتقافز التفاصيل لتغطى على الوجه الإنسانى، من خلال نسيج مؤلم شديد الشفافية، يشرح القضية كما يراها المصريون والعرب، رواية مصرية لكنها تحمل كل مخزون العالم المتشابكة، حيث القضية الفلسطينية تتجاوز فكرة الصراع السياسى وإلى الصراع الإنسانى، والعدو الذى يسرق الأرض ويحاول سرقة الأرواح، مستغلا تناقضات وصراعات صغيرة، إلى معاناة يومية يعيشها «أصحاب الأرض» فى غزة والضفة الغربية.
صحاب الأرض تأليف عمار صبرى وإخراج بيتر ميمى، يقدم رواية تتجاوز كل دراما، تحمل كل تفاصيل الفقد والألم، الأكبر من الموت والفراق، وقصص صمود ومعاناة ومشاعر إنسانية طبيعية يعيشها هؤلاء الذين يبتعدون وتختطفهم القذائف فى لحظات تاركة علامات وخطوط بالنار على الأرواح، التى لا تفقد الأمل وتعيش صمودا يتجاوز انتهازية السياسة وبشاعة العدو الصهيونى، الذى يقتل أى شعور بالأمان لكنه يفشل فى اختطاف الأمل وإرادة شعب يكافح من أجل البقاء والكرامة.
حلقة واحدة تأخذ المشاهد الى عالم إنسانى، حيث تتفوق الدراما، وتتجاوز العاطفة الى رواية ممتدة، وإنسانية، تحمل تفاصيل متشابكة لقضية تعاد روايتها كاملة، وليس فقط فصل غزة، الأمر ممتد وطويل، وصاخب يحمل كل الآلام التى يحملها أصحاب القضية، واطفالها وانبياءها شعب يواصل الصمود، بعيدا عن مغامرات الانتهازية والعدوان اللا إنسانى، ربما لهذا البعد الإنسانى والتشويق الفنى، فقد أثار غضب الاحتلال، الذى يعجز عن تبرير الإبادة والعدوان الذى يتجاوز كل مزاعمه، حيث يمارس القتل طوال الوقت، رهانا على انهاء صمود شعب يزداد صمودا.

مقال أكرم القصاص