لا يمكن لزائر الموائد الرمضانية في المنطقة العربية أن يخطئ ذلك اللون القرمزي الذي يزين الأكواب الزجاجية، إنه "الكركديه"، المشروب الذي نجح عبر العقود في حجز مكانه وسط قائمة المشروبات الرمضانية.
فبينما تتنافس العصائر الحديثة والمشروبات الغازية على لفت انتباه الصائم، يظل الكركديه متربعاً على عرشه، ليس فقط كإرث ثقافي يتناقله الأبناء عن الأجداد، بل كضرورة صحية يفرضها المنطق الغذائي السليم الذي يحتاجه الجسم بعد ساعات طويلة من الامتناع عن الطعام والشراب.
وتعود هذه المكانة المرموقة للكركديه إلى قدرته الفائقة على معالجة إحدى أكبر تحديات الصيام وهي "الجفاف"، إذ يمتلك هذا المستخلص النباتي خصائص فريدة في ترطيب الأنسجة والحفاظ على توازن السوائل داخل الجسم لفترات طويلة.
وبخلاف المشروبات التي تحتوي على الكافيين والتي قد تؤدى إلى إدرار البول وفقدان السوائل، يعمل الكركديه كمرطب طبيعي يهدئ العطش في نهار الصيام التالي، مما يجعله "صديق الصائم" الأول في الليالي ذات الرطوبة العالية أو الحرارة المرتفعة.
وعلى الصعيد الفسيولوجي، يتجاوز تأثير الكركديه مجرد الترطيب، ليلعب دوراً حيوياً في ضبط الإيقاع الحيوي للجسم بعد وجبة الإفطار، فمع تدفق الدماء نحو الجهاز الهضمي، يساعد الكركديه (خاصة البارد منه) في تنظيم مستويات ضغط الدم وتنشيط الدورة الدموية دون إجهاد عضلة القلب.
مضادات الأكسدة و"فيتامين C"
كما أن غناه بـ مضادات الأكسدة و"فيتامين C" يجعل منه درعاً واقياً يعزز المناعة ويساعد الأمعاء على امتصاص العناصر الغذائية بكفاءة أكبر، مما يقلل من حالات الخمول والكسل التي تعقب تناول الوجبات الدسمة.
ولا تكتمل قصة الكركديه في رمضان دون الإشارة إلى مرونته العالية في التحضير، والتي تعكس تنوع الثقافات العربية، فبين "المنقوع البارد" الذي يحتفظ بكامل عناصره الغذائية وطعمه اللاذع المنعش، و"المغلي الساخن" الذي يفضله البعض لتهدئة المعدة، يظل القاسم المشترك هو القيمة الغذائية المرتفعة.
ومع ذلك، يشدد خبراء التغذية دائمًا على ضرورة كسر حدة حموضته بالقليل من السكر أو البدائل الصحية، لضمان الحصول على فوائده دون زيادة غير مرغوبة في السعرات الحرارية، ليظل هذا المشروب الياقوتي هو الختام الأمثل لطقوس الإفطار الرمضاني الأصيل.