ترتبط الدراما بشخصية البطل، وهو ما يمكن النظر إليه عبر مسارين، أولهما فني، ويتجلى في شخصية الفنان الرئيسي، والذي يوضع اسمه في صدارة "التتر"، والثاني سردي، يتجلى في كونه يجسد الشخصية الرئيسية في الأحداث، والذي تدور حوله القصة، وهو ما يمكن استلهامه في أي عمل فني، إلا أن ثمة تطور مهم في الأعمال الفنية، وخاصة الوطنية منها، في هذا الإطار، فالبطولة الفنية موجودة، ولكنها أكثر جماعية لتتماهى مع البطولة السردية، والتي باتت تحظى بطابع مؤسسي أكثر منها شخصي، وهو ما يبدو في إبراز البعد الجماعي باعتباره الفاعل الرئيسي في الأحداث، بالإضافة إلى القدرة الكبيرة بل والاستثنائية في تجسيد الواقع، والذي يعتمد بالأساس على التكامل بين عناصر المنظومة، سواء كانت تمثل الخير أو الشر، ولكنها تعكس في جوهرها الحقائق التي تخفى عن قطاع كبير من المتابعين للأحداث بصورتها المجردة.
والواقع أن السردية الوطنية في الدراما ليست بجديدة على الإطلاق، كما أن الدور المؤسسي ليس سابقة، إذا ما نظرنا إلى الأعمال الفنية خلال عقود من الزمن، فالدراما المصرية زاخرة بالأعمال من هذا النوع، منها المسلسل الملحمي "رأفت الهجان"، والذي جسده النجم الراحل محمود عبد العزيز، و"دموع في عيون وقحة" والذي تصدره الفنان عادل إمام، فقد دارت في معظمها على بطولات فردية، فنيا، تتوافق مع سردية البطل الأبرز في العمل، وهي أعمال لم تتغافل دور المؤسسة ولكنها بصورة أو بأخرى جاءت كخلفية مهمة، ولكن كان التركيز على حجم التضحيات والمخاطر الفردية التي يتعرض لها أبطال العمل، وهو الأمر الذي ينطبق بصورة أقل على مسلسل "الاختيار" في الجزء الأول، والذي أنتجته الشركة المتحدة، بطولة الفنان أمير كرارة، والذي وإن ارتكز على شخصية البطل أحمد منسى، إلا أنه يمثل مرحلة انتقالية بين مرحلتين من السردية الدرامية، وهما السردية الفردية والمؤسسية، في ضوء تصعيده للعمل المؤسسي (الجيش المصري) والذي يعمل خلاله البطل، وكان جزء أساسيا من تشكيل بطولته.
ففي المرحلة الأولى، كانت المؤسسة موجودة وحاضرة في قلب المشهد، ولكنها تختزل لصالح البطل، والذي تبرز سماته الشخصية بصورة كبيرة، وأما في "الاختيار" تحولت المؤسسة إلى إطار منتج للبطل، في تمثل أعمال الشركة "المتحدة"، في الموسم الرمضاني الحالي تحولا نحو عمل المنظومة، وهو ما يعكس تحولا كبيرا في الخط الدرامي.
فلو نظرنا إلى عملي "رأس الأفعى" و"أصحاب الأرض"، نجد أن التحول ظاهر وبقوة ولكن على مستويات مختلفة، فالأول يجسد دور الدولة والتكامل المؤسسي في مواجهة تنظيم، وإن كان اعتاد العمل في الجحور، إلا أنه يحظى بصبغة مؤسسية، يهدف في الأساس إلى تعجيز الدولة عن العمل وشل حركتها، بينما العمل الثاني يقدم النموذج الآخر للمواجهة في إطار دولي، عبر مواجهة إرهاب الدولة وانتهاكاتها وتحديها الصارخ للمنظومة الدولية بأسرها، وهو ما يعكس قدرا من التكامل، ليس على مسار عمل فردي، وإنما تجاوز الهدف ذلك بتحقيق تكامل أوسع، ليس فقط بين تحديات الداخل والخارج، وإنما في طبيعة الرسالة المقدمة، والتي تقوم في الأساس على حقيقة ارتباط التحديات التي شهدها الداخل بخطة أكبر وأوسع نطاقا كانت مستوردة بالأساس من الخارج.
ولعل التلاقي بين الدراما الفنية المقدمة على الشاشات، والوقائع على الأرض، يمثل أهمية كبيرة وحاسمة في طبيعة التغيير الذي يمكن أن نلمسه، فخلال عقدي الثمانينات والتسعينات، كانت الحاجة ملحة لإلقاء الضوء على نماذج وطنية تبدو خارقة، تجد قبولا من المجتمع، ومؤهله لتكون نموذجا يحتذى به بعد مرحلة الحروب المتتالية، في مختلف مجالات العمل والإنتاج في ضوء حالة من الاستقرار النسبي، وهو ما يتواكب مع تلك المرحلة الدرامية ذات البطل الأوحد، وبالتالي فإن تعقد التهديدات وتشابكها يخلق ضرورة للتغيير في النمط الدرامي ليس ليكون مكتملا في ذاته، ولكن متكاملا مع غيره، حتى تكون الرسالة أكثر حسما، سواء في إطار تشكيل الوعي العام، أو حتى فيما هو أبعد من ذلك في إطار إدراك المشهد برمته.
والواقع أن التغيير في طبيعة البطل جاء متوازيا مع انتقال التهديد، على الأرض، من كونه مواجهة محددة بين طرفين إلى كونه شبكة ممتدة عابرة للحدود، لم يعد البطل الفرد قادرًا سرديًا على حمل المشهد بمفرده، فكان طبيعيًا أن تتغير صيغة البطولة ذاتها، لتواكب طبيعة المواجهة الجديدة.
وهنا يمكننا القول بأن التحول في الدراما الوطنية ليس مجرد تطور فني في أدوات السرد، بقدر ما يعكس تحولا أعمق في إدراك طبيعة الدولة وطبيعة التهديد معا، فحين كانت المواجهة محددة، كان البطل فردا استثنائيًا يختزل المؤسسة في شخصه، أما حين تعقّدت التحديات وتشابكت خيوط الداخل بالخارج، لم يعد النموذج الفردي كافيًا لحمل المشهد، فانتقلت البطولة من الشخص إلى الإطار، ومن المؤسسة إلى المنظومة، بينما لم يختفي البطل من الشاشة، لكنه لم يعد يقف وحده في مركز الضوء، بل أصبح جزءا من شبكة أوسع من الفاعلين، تعكس فكرة الدولة كوحدة متكاملة قادرة على إنتاج بطولتها الخاصة، وبالتالي لا تعيد الدراما تمثيل الواقع فحسب، بل تساهم في إعادة تشكيل الوعي به، عبر سردية تتجاوز تمجيد الفرد إلى ترسيخ مفهوم العمل الجماعي بوصفه شرطا للنجاة والاستمرار.