أكرم القصاص

من التجمع إلى باسوس.. الجريمة والعقاب والكاميرا والميكروسكوب!

الأحد، 22 فبراير 2026 10:00 ص


ليست المرة الأولى - ولن تكون الأخيرة - التى نرى فيها عمليات اعتداء مصورة بالكاميرا، صوتا وصورة، سواء رجل الأعمال الذى شاهده الملايين وهو يعتدى بالضرب والسب على فرد أمن بأحد كومباوندات التجمع، أو البلطجية الذين شاهدهم الملايين وهم يطلقون النار على رجل وابنه الطفل فى باسوس بالقليوبية، وهناك حالات متنوعة طوال الوقت من البلطجة والترويع واستغلال النفوذ واستعمال القوة، ربما لا يوجد فارق كبير بين رجل أعمال ساكن الكومبوند أو البلطجية سكان القرية فى ارتكاب الجرائم، والعامل المشترك بين هذه الجرائم أنها تم تصويرها من خلال كاميرات فى الشوارع أو الكومباوند، وهى إحدى مميزات وجود الكاميرات كشاهد محايد، يقدم أدلة وقرائن من شأنها أن تساهم فى ضبط الجناة.


ثم إن «الداخلية» تقوم بواجبها، وأصبحت لديها تقنيات تتعرف على الجناة والضحايا بسرعة، وتتعامل بشكل محترف مع عشرات الوقائع يوميا، والواقع أن «الداخلية» تقوم بدور مهم فى ضبط الجناة وإحالتهم للنيابة التى تحيلهم للقضاء، وفى كثير من الحالات تصدر أحكاما رادعة بالإعدام، مثل حالة قاتل أطفال الراهب بالمنوفية، أو بالإسكندرية وغيرها من الجرائم، لكن الواضح أن هناك قلقا بالفعل من تزايد أنواع الجرائم العنيفة، التى تبدأ من الاعتداء والترويع، وتصل إلى القتل والتقطيع، وبعضها يقوم بها أطفال، مثل جريمة الإسماعيلية التى قتل المراهق زميله وقطعه بمنشار، ويرفع بعض المعلقين أصواتهم ويطالبون بأحكام رادعة، بل ويبالغ البعض ليطالب بنشر تنفيذ الحكم على الهواء، ويضرب مثلا بحالات تم فيها عرض الجانى قبل إعدامه، فى جرائم من عقود، لقاتل قتل زوجة وأطفالا، أو تاجر مخدرات، وهؤلاء يرون أن عرض الإعدامات على الهواء من شأنه أن يصنع حالة ردع، لمن تسول لهم أنفسهم ارتكاب جرائم.


وبجانب هؤلاء هناك بعض من يرون أن هناك ارتفاعا لجرائم العنف والترويع والبلطجة بالمجتمع، منطلقين من أنواع الجرائم التى تنشر بوسائل الإعلام، وهؤلاء يستندون فقط إلى أن العقاب هو السبيل لمواجهة الجرائم ومنع تكرارها، بينما الواقع أن الجريمة ظهرت منذ جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل، ثم إن المجرمين أنواع، وأشكال وهناك نظريات تحلل أساب الجريمة، فلا أحد يولد مجرما، بل ولا حتى السينما أو الدراما هى التى تنتج مجرمين، إنما الأمر ضمن تراكيب نفسية وبشرية، بجانب أدوار تلعبها المخدرات التخليقية التى تغزو العالم كله بما فيه مصر، وتصل إلى الشباب والمراهقين وتحول بعضهم إلى مجرمين وآلات قتل متبلدة.


وبناء عليه، فإن الأحكام الرادعة مهمة، لكنها ليست وحدها التى تمنع المجرمين من ارتكاب الجرائم، والدليل أنه منذ اختراع العقاب لم تتوقف الجرائم، وأن الأمر ربما يكون بحاجة إلى توسيع أدوات المواجهة، وبجانب الدور الذى تلعبه الداخلية والقضاء، هناك ضرورة لتوسيع نطاقات الدراسات الاجتماعية والنفسية، التى من شأنها أن تضع خرائط الجريمة وتحاول تفسير كيفية ظهور المجرمين، خاصة أن الأمر لا يرتبط فقط بالحالة الاقتصادية، حيث يشترك رجل أعمال متعلم متهم فى التجمع مع متهمى باسوس، فى أن كليهما يرتكب علنا جرائم ترويع وبلطجة واعتداء ونفوذ، بصرف النظر عن المستوى الاجتماعى او التعليمى، وسبق أن تكررت واقعة التجمع قبل عامين بنفس الطريقة، وهناك سائقو توك توك أو أصحاب سيارات فارهة يرتكبون نفس سلوكيات الترويع والبلطجة، والسير عكس الاتجاه أو بأرقام ممسوحة، أو محذوفة منها مفردات.


القضية إذن فى أن يساوى القانون بين الجميع، طبقا للجريمة، وأن يتم فتح المجال لدراسات اجتماعية ونفسية، يمكن معها تفهم أسباب وعناصر الجريمة، حتى يمكن معالجتها، فالأمر ليس فى التمثيل بالمجرمين والعقاب ليس انتقاما، والجريمة لا تتوقف، قد تتراجع أو تحاصر، فى حال محاصرة المخدرات الكيماوية التى تمثل أحد أخطر عوامل الجرائم، بجانب دراسات الجريمة والعقاب والمجرمين، بعيدا عن نظرات طبقية او تحليلات عنصرية مثلما كانت نظريات لمبروزو، أو غيره، وإنما نظريات حديثة، تحاول تفسير الجريمة ومعالجة ما يمكن من آثارها، ربما نكون بحاجة إلى الكاميرا للطرق والشوارع، وأيضا لميكروسكوب للمجتمع والنفوس.

 


الجريمة والعقاب والكاميرا

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة