علا رضوان

مفارقة الدب الذهبي في برلين: حين تسللت السياسة من شباك فيم فيندرز

الأحد، 22 فبراير 2026 06:48 م


هناك سحر خاص طغى على مهرجان برلين السينمائي هذا العام، سحر يمكن أن نسميه الهدوء السينمائي، إلى جانب تركيبة لجنة التحكيم التي أعادت تشكيل معايير التقييم الفني. ورغم أننا في عز زحمة موسم الدراما الرمضانية بكل تفاصيلها المحلية، لم أستطع أن أشيح بنظري عن برلين، فبريق السينما الصافية هناك كان أقوى من أي تجاهل. في العادة تميل المهرجانات الكبرى إلى الصخب والرسائل المباشرة، لكن دورة هذا العام التي قادها المخرج الألماني العتيق فيم فيندرز انحازت بوضوح إلى السينما التي تهمس في الأذن وتلمس الروح.

ساند فيندرز في هذه المهمة لجنة تحكيم جمعت رؤى بصرية متنوعة من الشرق والغرب، وضمت المخرج النيبالي مين باهادور بهام والممثلة الكورية باي دونا والخبير الهندي شيفيندرا سينغ دونغاربور والمخرج الأمريكي رينالدو ماركوس غرين واليابانية هيكاري والمنتجة البولندية إيفا بوشينسكا. هذه التوليفة من الحكماء ركزت على الجماليات البصرية العميقة وابتعدت عن ضجيج الأجندات الجاهزة. وظهر هذا التوجه بقوة حين توج فيلم رسائل صفراء للمخرج إيلكر تشاتاك بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم، وهو عمل يغوص في تعقيدات النفس البشرية ببراعة بصرية فائقة، ليثبت لنا أن القوة الحقيقية تسكن في التفاصيل الصغيرة وليس في الزعيق الدرامي.

ولكن وسط هذا الاحتفاء بالصورة الخالصة تبرز مفارقة غريبة تستحق التوقف عندها. فبينما أعلن فيم فيندرز عن رغبته في عزل السينما عن السياسة والابتعاد عن الخطابات المباشرة، جاءت اختيارات لجنة التحكيم لتبوح بعكس ذلك بالكامل. الأفلام الفائزة حملت في طياتها أبعاد سياسية واضحة لا يمكن تجاهلها، وكأن السياسة أبت إلا أن تتسلل من الشباك بعد أن أغلق فيندرز الباب في وجهها. فيلم مثل خلاص التركي الذي اقتنص جائزة الدب الفضي وهي جائزة لجنة التحكيم الكبرى للمخرج أمين ألبير، لا يمكن فصله عن واقعه الاجتماعي والسياسي الضاغط، وحتى رسائل صفراء الفائز بالدب الذهبي يخفي خلف هدوئه البصري نقد لاذع لواقع السلطة. هذه المفارقة تؤكد لنا أن السينما حتى في أقصى درجات شاعريتها لا تستطيع أن تنسلخ عن هموم البشر، وأن الفن والسياسة كيان واحد يصعب فصله.

وتوزعت باقي الجوائز لترسم خريطة إبداعية متكاملة، حيث ذهبت جائزة لجنة التحكيم لفيلم ملكة في البحر للمخرج لانس هامر. على صعيد الإخراج خطف المخرج غرانت غي الدب الفضي لأفضل مخرج عن فيلمه الذي يتناول حياة بيل إيفانز، ليحول سيرة الموسيقي الشهير إلى تجربة بصرية وسمعية تكسر جمود الأفلام الوثائقية التقليدية.

على مستوى التمثيل واصلت النجمة ساندرا هولر تألقها العالمي وحصدت جائزة أفضل أداء رئيسي عن فيلم روز للمخرج ماركوس شلاينزر، لتقدم أداء يفيض بالشفافية والتعقيد. كما ذهبت جائزة أفضل أداء مساعد لتنقسم بين آنا كالدر مارشال وتوم كورتيناي عن دوريهما في فيلم ملكة في البحر، في التفاتة نقدية تحتفي بجيل الرواد وقدرتهم على التعبير الهادئ والرصين الذي لا يشيخ مع مرور الزمن.

ولم تتوقف بصمة اللجنة هنا، بل اختارت منح جائزة أفضل سيناريو للكاتبة جنيفيف دولود دي سيل عن فيلمها نينا روزا، فيما استحق فيلم الحب طائر متمرد للمخرجين آنا فيتش وبانكر وايت جائزة المساهمة الفنية المتميزة بفضل جماليات التصوير الاستثنائية.

الملمح الأبرز في هذه الدورة كان انتصار الشعر السينمائي الممزوج بوجع الواقع، حيث جسدت الأفلام الفائزة حقيقة أن الفيلم لوحة فنية تحمل نبض الشارع، وأن التنوع الجغرافي الذي شهدته منصة التتويج من تركيا وكندا وألمانيا والولايات المتحدة لم يكن سوى نتيجة طبيعية للجنة تحكيم تؤمن بأن السينما لغة عالمية واحدة. أثبتت برلين في هذه النسخة أن المهرجانات الكبرى قادرة على تجديد دمائها، وأن الدب الذهبي سينحاز على الدوام للقصص التي تصنع بشغف فني حقيقي وتحمل هموم الإنسان، لتبقى هذه الدورة محفورة في الذاكرة كعنوان للمفارقة العظيمة بين الرغبة في الهدوء وحتمية الاشتباك مع الواقع.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة