خلف الأبواب الخشبية العريضة لمكاتب تسوية المنازعات بمحاكم الأسرة، وفي ممرات تضج بآهات المظلومين وعناد المتخاصمين، تولد مع كل فجر في شهر رمضان المبارك قصص جديدة من الأمل. هنا، في هذه الأمتار المربعة الصغيرة، لا يجلس الموظفون خلف مكاتبهم لتحرير الأوراق فقط، بل يتحولون إلى جراحين يرممون القلوب المكسورة ويخيطون جراح الأسر التي أوشكت على التفتت.
ومع حلول شهر رمضان، تكتسي هذه المكاتب برداء من السكينة، حيث يستغل الخبراء النفسيون والاجتماعيون نفحات هذا الشهر الكريم ليخوضوا معارك شرسة ضد "شياطين الإنس" الذين يسعون لتشريد الأطفال وهدم البيوت.
تبدأ الحكاية بوجوه شاحبة لزوجات وأزواج كبلتهم الكراهية، يجرون خلفهم أطفالاً لا ذنب لهم سوى أنهم نبتوا في أرض قاحلة من الحب.
وفي نهار رمضان، وبينما تسكن الأنفس وتلين القلوب بالصيام، تبدأ جلسات "لم الشمل" التي يقودها خبراء التسوية بذكاء وحنكة. لا يبدأ الخبير جلسته بالحديث عن القانون أو النفقات، بل يبدأ بآيات الذكر الحكيم وعن قيمة العفو عند المقدرة في هذا الشهر الذي تفتح فيه أبواب الجنة.
إنها "لحظة التنوير" التي يحاول فيها الخبير انتزاع فتيل الغضب، مذكرًا الزوجين بأن مائدة الإفطار التي تفتقد لأحد الركنين هي مائدة ناقصة المذاق، وأن فرحة الصغار بـ "فانوس رمضان" لا تكتمل إلا بوجود الأب والأم معاً.
وتكشف كواليس هذه الجلسات عن دور بطولي لـ "جيش ناعم" من الباحثين الاجتماعيين الذين يرفضون الاستسلام لطلبات الطلاق أو الخلع بسهولة.
في رمضان، يزداد معدل الصبر لدى هؤلاء الخبراء، حيث يطيلون أمد الجلسات، ويستدعون الجد والجدة، ويحاولون خلق أرضية مشتركة للتفاهم.
إن الهدف الأسمى هو "وقف نزيف التفكك"، خاصة في الحالات التي يكون فيها الأطفال هم الضحية الأولى. فالمشهد الدرامي الذي يتكرر كثيراً هو بكاء طفل في الخامسة من عمره وهو يمسك بيد والده من جهة وبيد والدته من جهة أخرى، متوسلاً ألا يفترقا؛ هذا المشهد يكون هو القوة الضاربة التي يستخدمها خبراء التسوية لإحياء الضمائر الميتة، وتذكير الآباء بأن كبرياءهم وعنادهم لا يساوي دمعة واحدة من عيني طفل قد يواجه مصيراً مجهولاً في حال الانفصال.
الدراما الإنسانية في مكاتب التسوية خلال رمضان تتجلى في حالات "الرجوع عن قرار الخلع" في اللحظات الأخيرة. فكم من زوجة دخلت المكتب وهي تحمل في قلبها جبلاً من النقمة، وخرجت وهي تحمل وعداً بصفحة جديدة بفضل كلمة طيبة أو تذكرة بموقف جميل قديم أحياه الخبير في ذاكرتها.
إن مكاتب التسوية في هذا الشهر الفضيل تتحول إلى "غرف عمليات" لإنقاذ المستقبل؛ فكل حالة صلح تتم هي بمثابة حماية للمجتمع من قنبلة موقوتة، لأن الطفل الذي ينشأ في بيت مستقر بعيداً عن صراعات المحاكم هو مواطن صالح في المستقبل، بينما المشرد بين أحضان المحامين والخصومات هو مشروع لأزمة اجتماعية قادمة.
ومع اقتراب أذان المغرب، وتصاعد دعوات الصائمين، ينجح خبراء التسوية في توقيع "محاضر الصلح" التي تكون بمثابة شهادة ميلاد جديدة للأسرة.
هذه المحاضر ليست مجرد حبر على ورق، بل هي مواثيق غليظة يتم الاتفاق فيها على نبذ التدخلات الخارجية من الأهل، والتي تعد المسمار الأول في نعش الحياة الزوجية. الخبراء هنا يضعون "روشتة" للتعامل المستقبلي، تتضمن ضرورة التغافل عن الهفوات، وتقدير ضغوط الحياة الاقتصادية، وجعل مصلحة الأطفال هي البوصلة التي تحرك الجميع.
إنهم يغرسون في نفوس الأزواج أن الرجوع عن الخطأ في رمضان هو قمة الشجاعة، وأن "البيت الكبير" لا يهدمه خلاف عابر إذا حضرت الرحمة وغاب الشيطان.
إن الدور الذي تلعبه هذه المكاتب في رمضان يمثل حائط الصد الأول ضد ظاهرة الطلاق التي استشرت في المجتمع. فبينما يرى البعض أن المحكمة هي مكان للخصومة، يثبت هؤلاء الخبراء أن المحكمة يمكن أن تكون مكاناً للتسامح والبدء من جديد.
إنها دعوة لكل زوجين يقفان على أعتاب مكتب التسوية في هذا الشهر الكريم: انظروا في أعين أطفالكم قبل التوقيع على أوراق النهاية، واستشعروا روحانيات الشهر الذي نزل فيه القرآن هدى للناس، واعلموا أن مكاتب التسوية وجدت لتبني لا لتهدم، ولتجمع لا لتفرق، ولتجعل من رمضان بداية لقصة حب جديدة، لا نهاية لبيت كان يوماً عامراً بالضحكات.
تظل مكاتب تسوية المنازعات بمحاكم الأسرة هي "ملاذ المحتارين" وطوق النجاة الأخير قبل الغرق في بحور التقاضي المظلمة. ومع كل حالة صلح تكلل بالنجاح، يرتفع رصيد المجتمع من الاستقرار، وتزداد ثقة المواطن في أن القانون ليس سيفاً مسلطاً فقط، بل هو أيضاً يد حانية تربت على الأكتاف وتجمع الشتات.
إنها الملحمة التي تكتب فصولها كل يوم بمداد من الصبر والحكمة، لتظل الأسرة هي النواة القوية التي لا تكسرها عواصف الخلافات، طالما وجد من يذود عنها ويحميها بكلمة حق في شهر الحق.