أحمد إبراهيم الشريف يكتب: هل تتخلى جنوب أفريقيا عن دعم غزة؟.. قراءة فى أزمة بينالى فينيسيا بين وزير الثقافة والفنانة جابرييل جولياث والسبب عمل عن الشهيدة الفلسطينية هبة أبو ندى.. والحدث يفتح باب التأويل والتكهن

الأحد، 22 فبراير 2026 02:37 م
أحمد إبراهيم الشريف يكتب: هل تتخلى جنوب أفريقيا عن دعم غزة؟.. قراءة فى أزمة بينالى فينيسيا بين وزير الثقافة والفنانة جابرييل جولياث والسبب عمل عن الشهيدة الفلسطينية هبة أبو ندى.. والحدث يفتح باب التأويل والتكهن وقفة من أجل جناح جنوب أفريقيا

في 20 فبراير 2026 أعلنت وزارة الرياضة والفنون والثقافة في جنوب أفريقيا أن جناح البلاد في بينالي فينيسيا 2026 سيكون سيلغى، لم يكن ذلك تفصيلا تنظيميًا، بل خلاصة صدام انفجر حين اصطدم "التمثيل الرسمي" بمحتوى يتصل بغزة داخل مشروع فني اختير لتمثيل الدولة، وبقدر ما تبدو الأزمة فنية، فإنها، في معناها السياسي، تحولت إلى سؤال واحد: هل باتت غزة عبئًا على التمثيل الرسمي، حتى داخل بلد يعرف عالميًا بموقفه القانوني الصلب تجاه الحرب؟

كيف بدأت الأزمة؟ 

كان البداية عندما تم اختيار الفنانة الجنوب أفريقية جابرييل جولياث والقيمة  لينجريد ماسوندو لتقديم مشروع بعنوان "Elegy" ضمن جناح جنوب أفريقيا في بينالي البندقية/  فينيسيا 2026، ثم جاء تدخل وزير الرياضة والفنون والثقافة  Gayton  McKenzie، الذي اعتبر أن جزءًا من المشروع المتصل بغزة "شديد الانقسام/خلافي"، وطلب تغييره، ومع رفض الفنانة والقيّمة، انتهى الأمر إلى سحب المشروع وإلغاء المشاركة.
والتفصيل الأكثر حساسية هنا أن "الجزء الغزي" لم يكن شعارًا سياسيًا عامًا، بل ارتبط، بحسب بتضمين/تكريم الشاعرة الفلسطينية هبة أبو ندى التي قتلت في غزة في أكتوبر 2023.

معركة حول حرية التعبير

بعد الإلغاء، لم تقدم المسألة في المجال الثقافي كاختلاف ذائقة أو ميزانية، بل كمسألة حق في التعبير وحدود تدخل السلطة التنفيذية في تمثيل ثقافي، ووفق The Art Newspaper، تقدمت جولياث وماسوندو بطلب عاجل أمام المحكمة لإبطال قرار الإلغاء وإعادة المشروع، لكن المحكمة العليا رفضت الطلب، وأمرت الطرفين بدفع التكاليف القضائية للجهات المدعى عليها (ومنها الوزير).

وبعد يوم واحد فقط أعلنت وزارة الثقافة أن الجناح سيكون فارغًا.  

رسائل قرار جنوب أفريقيا  في إلغاء العمل الفني

نحن إذا في حاجة لفهم هذا القرار الخطير خاصة أنه يخرج من دولة تعد أحد المدافعين عن غزة والقضية الفلسطينية، حتى أنها دخلت في تحد كبير ضد دولة الاحتلال، وبالتالي سنخرج بعدد من الرسائل منها:
الرسالة الأولى: الرسالة الضمنية التي يلتقطها الفنانون والمؤسسات هي أن إدراج غزة في تمثيل رسمي قد يكلف المشروع كله، هذه "الرسالة" ليست ادعاءً حول النوايا، بل استنتاج منطقي مما حدث.
الرسالة الثانية: منذ أواخر 2023، يتعامل الناس مع جنوب أفريقيا، بوصفها دولة دفعت بملف غزة إلى ساحة القانون الدولي، وخارجية جنوب أفريقيا نشرت بيانات رسمية حول تقديم الأدلة إلى محكمة العدل الدولية وتأكيد المسار القانوني ضد إسرائيل، وفي هذا السياق، يظهر التناقض الرمزي، دولة تقاضي إسرائيل دوليًا، لكنها تفرغ جناحها الثقافي حين يدخل اسم غزة في عمل فني رسمي، هذا التناقض بالذات هو ما جعل الأزمة مادة عالمية في منصات الفن والسياسة الثقافية.

الرسالة الثالثة:  إن هذا الجناح الفارغ ليس حيادًا، إنه حضور غائب داخل أهم منصة عرض دولية، بما يفتح باب التأويل، هل انسحبت الدولة لتجنب جدل غزة؟ وهل صارت غزة "محرجة"؟. 

قراءة ما قامت به جنوب أفريقيا وتحليله

لو قرأنا الخطاب في هذه المعركة الثقافية المهمة، سنجد أن تحويل غزة من معيار أخلاقي إلى معيار "خلافي" نقل القضية من سؤال الحق والدم إلى سؤال "هل يسبب انقسامًا؟"، في هذه الصياغة، لا تناقش غزة بوصفها مأساة، بل بوصفها مخاطرة على التمثيل الرسمي.

كما أن وصول الخلاف للمحكمة وعدم نصرة المحكمة للفنانة، فإن ذلك إشارة إلى خطورة الأمر، فالمحكمة حتى لم تنظر إلى الأمر على أساس أنه "حرية شخصية" لكنها لم تقبل الدعوى، مما يعني أنها انتصرت للوزير، ونصرته على الفنانة.

هل يعني ذلك تراجع جنوب أفريقيا عن دعم غزة؟

هنا  لابد من التفرقة بين أمرين:
أولًا: السياسة الخارجية، لا يوجد، في مصادر الأزمة ذاتها، ما يثبت تراجع الدولة ككل عن موقفها الخارجي تجاه غزة، بل إن السياق الأقرب زمنيًا يشير إلى استمرار التوتر الدبلوماسي مع إسرائيل، ففي 30 يناير 2026 نشرت الجارديان خبر طرد جنوب أفريقيا للقائم بالأعمال الإسرائيلي في بريتوريا، ثم رد إسرائيل بطرد دبلوماسي جنوب أفريقي.

ثانيًا: التمثيل الثقافي الرسمي، هنا يمكن القول بثقة: نعم، ما حدث يمثل تراجعًا نسبيًا داخل "الدعم الثقافي الرسمي" لغزة، لأن المؤسسة اعتبرت إدراج غزة "خلافيًا" وانتهت النتيجة إلى الإلغاء ثم الفراغ، هذه واقعة محددة المدى، لكنها شديدة الدلالة لأنها تمس "ما يُقال باسم الدولة" في منصة دولية.
أزمة جابرييل جولياث لا تقول إن جنوب أفريقيا "غيرت موقفها" من غزة سياسيًا؛ فالوقائع الدبلوماسية والمسار القانوني الرسمي لا يقدمان سندًا لهذا الاستنتاج، لكنها تقول شيئًا آخر لا يقل أهمية: داخل التمثيل الثقافي الرسمي، جرى التعامل مع غزة كموضوع ينبغي إبعاده، ولو انتهى ذلك إلى جناح فارغ، وهذا، في معناه العميق، يفتح سؤالًا سيبقى حاضرًا بعد فينيسيا: هل يمكن لدولةٍ أن تحافظ على خطاب خارجي صلب، بينما تضيق داخليًا مساحة تمثيل غزة حين تصبح "عنوانًا عالميًا" في الفن؟

الشهيدة الفلسطينية هبة أبو ندى

بقي أن نتحدث عن الفلسطينة هبة أبو ندى (1991–20 أكتوبر 2023) وهي شاعرة وكاتبة فلسطينية عاشت في قطاع غزة، ولدت في مكة لأسرة لاجئة تعود جذورها إلى قرية بيت جرجا المهجرة عام 1948، ودرست الكيمياء الحيوية في الجامعة الإسلامية بغزة، ثم نالت ماجستير التغذية السريرية من جامعة الأزهر–غزة. عرفت بكتابتها الشعرية والنثرية، ومن أبرز أعمالها رواية "الأكسجين ليس للموتى" التي فازت بالمركز الثاني في "جائزة الشارقة للإبداع العربي" عام 2017، قبل أن يعلن استشهادها يوم 20 أكتوبر 2023 في خان يونس خلال القصف على غزة، وفق ما ذكرته وزارة الثقافة الفلسطينية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة