في 21 فبراير من كل عام يحتفل العالم بـ اليوم العالمي للغة الأم، وهي المناسبة التي أقرتها اليونسكو عام 1999 بمبادرة من بنجلاديش، ويحتفى بها عالميًا منذ عام 2000، بهدف تعزيز التنوع اللغوي والثقافي ودعم التعددية اللغوية.
وبينما يطرح هذا اليوم سؤال "ما اللغة التي نحيا بها الآن ؟"، تبدو مصر حالة شديدة الثراء: فالبلاد عرفت عبر آلاف السنين سلسلة لغوية أصلية بدأت بـ"المصرية القديمة" وتحولت تدريجيًا حتى القبطية، وفي الوقت نفسه ظلت على أرضها لغات محلية/أصيلة أخرى (نوبية، وبجاوية، وأمازيغية سيوية) تقاوم التآكل وتبحث عن مساحة عادلة في التعليم والثقافة والإعلام.
المصرية القديمة
تعرف اللغة المصرية القديمة بوصفها لغة وادي النيل القديمة، وتُقسم الدراسات تاريخ هذه اللغة – اعتمادًا على النصوص – إلى خمسة عصور/مراحل كبرى:
المصرية القديمة (قبل 3000 ق.م حتى نحو 2200 ق.م)
المصرية الوسطى (نحو 2200–1600 ق.م)
المصرية المتأخرة (نحو 1550–700 ق.م)
الديموطيقية (نحو 700 ق.م–400 م)
القبطية (من نحو القرن الثاني الميلادي واستمرت حتى سيطرت اللغة العربية في وقت متأخر).
هذا التقسيم لا يصف "لغة واحدة ثابتة"، بل يلتقط تطورًا طبيعيًا في المفردات والنحو والصوتيات، ومع كل مرحلة كانت مصر تنتج نصوصًا وأساليب كتابة تعبر عن المجتمع والدولة والدين والمعرفة.
من الهيروغليفية إلى الهيراطيقية والديموطيقية
اللغة المصرية لم تتغير وحدها، الخطوط تغيرت أيضًا، فالمصادر الموسوعية تشير إلى أن المصرية كُتبت أولًا بالهيروغليفية، ثم تطورت منها الهيراطيقية (كتابة أكثر "سرعة" وكسرًا لصرامة النقش)، ثم الديموطيقية بوصفها شكلًا أكثر اختزالًا.
والخط الديموطيقي شكل كتابي استخدم في النصوص المكتوبة باليد من أوائل القرن السابع قبل الميلاد حتى القرن الخامس الميلادي، وبدأ يحل محل الهيراطيقية خلال حكم بسماتيك الأول (664–610 ق.م).
هنا تلمع فكرة "اللغة الأم" بمعناها الاجتماعي: حين تنتقل الكتابة من جلال المعابد إلى سرعة الوثائق، يصبح السؤال: كيف يتكلم الناس؟ وكيف تكتب حاجاتهم اليومية؟ الديموطيقية كانت – بهذا المعنى – جزءًا من لغة "الشارع" وضرورات الإدارة والاقتصاد.
القبطية
القبطية المرحلة النهائية من المصرية القديمة، لغة أفروآسيوية استخدمت في مصر منذ نحو القرن الثاني الميلادي، وتكتب بحروف يونانية مع سبعة حروف مستعارة من الديموطيقية لأصوات لا توجد في اليونانية.
وبهذا المعنى، فالقبطية ليست "لغة منفصلة عن المصرية"، بل استمرار تاريخي لها في قالب كتابي جديد، وتبقى اليوم حاضرة خصوصًا في الاستخدامات الطقسية داخل الكنيسة القبطية.
العربية في مصر
بعد الفتح الإسلامي، لم يحدث التحول اللغوي دفعة واحدة، بل إن "عملية التعريب" بطيئة وتدريجية، فالعربية لم تزح اليونانية كلغة رسمية للدولة إلا سنة 706م، مع وجود دلائل على استمرار القبطية كلغة محكية في الفسطاط.
والعربية أصبحت لغة الدواوين/البيروقراطية منذ أوائل القرن الثامن، وأن تعريب مصر كان قد اكتمل تقريبًا بحلول عصر المماليك، هذه التفاصيل مهمة لأن "لغة الأم" ليست مجرد هوية ثابتة، إنها شبكة من التعليم والإدارة والعمل والهيبة الاجتماعية، حين تتغير لغة الدواوين، تتغير معها فرص الصعود الاجتماعي، وتتبدل خريطة القراءة والكتابة.
لغات أصلية/محلية باقية
ورغم الغلبة الحديثة للعربية، لا تزال مصر تضم مجموعات لغوية محلية ذات جذور تاريخية على أرضها، اللغات النوبية (جنوب مصر).
لغة البِجا (شرق مصر): في الجزء الجنوبي من الصحراء الشرقية يستخدمون لغة أفروآسيوية من الفرع الكوشي .
اللغة السيوية (واحة سيوة): في واحة سيوة مجموعات لغتها مرتبطة بالأمازيغية (البربرية) ضمن العائلة الأفروآسيوية.