خالد دومة يكتب: الحلَّاج "القلب الثائر"

السبت، 21 فبراير 2026 11:06 م
خالد دومة يكتب: الحلَّاج "القلب الثائر" خالد دومة

والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت   إلا وحُبُّك مقرونٌ بِأَنفاسي
ولا جلستُ إلى قومٍ أُحدِّثُهُم       إلا وَأنتَ حَديثي بَينَ جلاسي
مالي وَللناسِ كم يَلحونَني سَفَها     ديني لِنَفسي ودينُ الناسِ للناسِ

رماد.. رماد تذروه الرياح، تحمله إلى بلاد بعيدة، يسبح في الأجواء، تلتقطه الأنفاس، تحتفي به الصدور، فهو يزرع الطمأنينة، ويلقي بيد المحبة فوق الروؤس المنهكة، التي ضلت طريقها فأخذت تسترشد الهداية التي تنشقت عبق من رماد جسد أحرقوه وألقوا برماده في المياه، وفي البحر تحمله الأمواج، موجة وراء موجة، عرس فوق ماء النهر، تقذف به إلى الحيارى، ليغتسلوا به فتنبت لهم قلوب وتلمسه أجسادهم العارية، يدا حانية، ترقق قلوب صلبة، وأرواح مزقتها المكوث فوق الأرض، فهي تبغي الخلاص، فالجسد الميت المصلوب المحروق الممزق تناثر، يجمع من رفاته قلوب، تتكاتف وتتعلق به، كيما ينقذها من مهاوي الحياة، تخلصها من بقايا عالقة في الأحشاء، تخشى أن تزيد ويستشري مرضها فتفسد، وتُفسد الجسد كله، إنها الورقة الأخيرة للنجاة والوصول.


فلا طريق سوى طريق القلب الثائر.

إننا نرى النور بأعيننا، ولكننا لا نملك أن نلمسه، أن نتحسسه، فماذا لونبع منا، كنا مصدره، كي يشرق في عيون الآخرين، نضيء الطريق المظلم، ليرى الناس ما تحت أقدامهم، ليروا ما فوق رؤسهم، ليمتد الأفق بلا سدود ولا ضباب، تحجب العين عما يبدو وراءها، وتظل تتنقل بين الأشياء، حيث النور لا ينقطع، فلا نهاية، إنما هو الخلود، ولكن كي تستشعر قيمة النور، فلا بد من ظلام تعرفه، وتعيش فيه، ترى الفرق بين الحياة والموت، بين الشيء واللا شيء، فالمتناقضات تملأ الكون الفسيح، وكي تستريح لا بد من أن تقدر الأشياء بقدرها ...


ما من إنسان تجتمع حوله الكراهية والحب، الانتماء والجفاء، النور والظلام، الجمال والقبح، ويفقه معانيها وأثرها، إلا وهو يحمل في قلبه شيء مختلف، إن الصراع الدائر حوله، دليل شيء عظيم، يكمن فيه هو سراج للمحبين، وسيف على رقاب الكارهين، أيد تمتد تأخذ بيد الحيارى، وأيد مقطوعة، تهوي بأخرين إلى ضباب، وأستار تحجب، فيما يظنون أمالهم وأحلامهم هي الحياة، الوجود الدائر حول نقطتتين متصارعتين، حرب ضروس، فلا هوادة في حرب تبعثها الأرواح والأجساد، لكل منهم حشود وجنود، ولكل فريق ضحايا، ودم من هنا، ودم من هناك، وفي ساحة المعركة، تتهاوى أجساد الشهداء، مسفوكة دمائهم، ترتفع أرواحهم إلى السماء، لينكشف الحجاب، وترى الحقائق واضحة جلية، من المصيب ومن المخطأ، من النور ومن الظلام، فالكل لديه يقين يعيش به، ويحارب من أجله، الكل قاتل مقتول، لنقف أمام النور الأعظم ليحكم بيننا، وتنتهي القضية، كلمة واحدة، ففريق في الجنة، وفريق في السعير، فريق يعانق النور، وأخر تغمره الظلمات، وتهوي به في واد سحيق، كلاهما يحمل شعلة الحق، كما يتراء له، ففي قلب كل منهما القضية محسومة لصالحه، وإلا لماذا يموت؟ لماذا يفقد حياته؟ ويتناثر دمه؟ ....


كان الحلاج هو النقطة في وسط الدائرة، يحوم حوله الفريقان من محبيه ومبغضيه، سيوف له رفعت، وسيوف صليت عليه، تريد أن تنال منه، أيد تتلقفه بقلوبها وأخرى على سنان الرماح تبيح دمه، إن دمه عند محبيه دم زكي مقدس مبارك، يربطهم بالسماء، ويمتزج به كل نور، ودمه عند كارهييه هو فاسد ملوث ينقل الأمراض ويأتي بالوباء، الذي يأكل الحرث والنسل، ويجني الأرواح، طائفة تصنع له تمثالا ويطوفون حول قلبه وعقله، وآخرين يريدون تحطيمه، حتى لا يغوي ضعاف القلوب والنفوس من الناس، أهو ذلك الملاك أم ذلك الشيطان، فكل طائفة تؤمن، ولها عقيدة لا تشك فيها مثقال ذرة، إنها عقيدة واحدة، ووجوه مختلفة، نواحي متعددة، أين نحن وأين هم، أين الحقيقة؟ وجميعنا داخل هذه الدائرة، التي تُطوّقنا، من البصير ومن الأعمى،  فلا بد من عين ترى، وعين لا تبصر، إذن تسمع، وأخرى صماء، وما بين النعيم والجحيم، تدور حياة الناس، الكل يجذب نفسه إليها ويقاتل من أجلها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة