مع اقتراب إعلان العد التنازلي لنهاية فصل الشتاء وبداية الربيع جغرافياً الشهر المقبل، يعيش الشارع المصري حالة من الترقب جراء تقلبات جوية لم تكن في الحسبان، حيث يتساءل الجميع، عن سبب عدم سقوط أمطار.
ففي الوقت الذي كان يفترض فيه أن تكون البلاد في قلب "أربعينية الشتاء " وذروة البرودة القارسة، جاء الواقع مغايراً تماماً، حيث تواصل درجات الحرارة ارتفاعاتها، مع انحسار لافت في كميات الأمطار، لترسم ملامح موسم شتوي يوصف بأنه "الأضعف" والأكثر جفافاً منذ سنوات، وسط تساؤلات ملحة حول مصير الثوابت المناخية التي نشأت عليها الأجيال.
وكشفت الأيام الأخيرة من شهر فبراير الجاري عن ذروة هذا التحول غير الطبيعي، حيث سجلت موازين الحرارة في القاهرة نحو 30 درجة مئوية، بينما تخطت حاجز 32 درجة في أقاليم جنوب البلاد.
هذا المشهد "الصيفي" في قلب الشتاء لم يكن مجرد موجة عابرة، بل هو حلقة في سلسلة من الموجات الحارة التي ضربت البلاد منذ مطلع يناير الماضي، مما جعل الأجواء تتسم بسخونة مفرطة لا تتناسب والخصائص المناخية المعتادة لهذا الوقت من العام.
ويكشف خبراء الطقس، إن هذه الحالة ليست مجرد تذبذب طقسي يومي، بل هي انعكاس لفترة "جفاف شتوي" تعاني منها البلاد، حيث بات الفارق شاسعاً بين شتاء العام الماضي وهذا العام من حيث ندرة الأمطار وسطوع الشمس المستمر ونشاط الرياح المثيرة للأتربة.
ويوضح الخبراء أن السبب فى الخلل الهيكلي لشتاء 2026 يرجع إلى تغير جذري في منظومة التوزيعات الضغطية العالمية والإقليمية، وهو التغير الذي يعد أحد أبرز تداعيات الاحتباس الحراري والأزمة المناخية التي يعيشها الكوكب، فالمنخفضات الجوية المتوسطية التي كانت تعد "البطل الرئيسي" لموسم الأمطار في مصر، غابت هذا العام بشكل شبه كامل، ولم تسمح التوزيعات الضغطية السائدة بتعمق أي منخفض جوي مؤثر قادر على تكوين سحب ممطرة أو خفض درجات الحرارة إلى مستوياتها الطبيعية.
وبدلاً من تلك المنخفضات التي كانت تجلب البرودة، وقعت البلاد تحت سيطرة متواصلة لمرتفعات جوية صلبة، عملت كحائط صد منع وصول الكتل الهوائية الباردة والرطبة من القطب وشمال أوروبا.
ويوضح الخبراء أن هذه السيطرة للمرتفعات الجوية لم تكتف بمنع الأمطار فحسب، بل فتحت الأبواب على مصراعيها لتدفق كتل هوائية صحراوية حارة قادمة من المناطق المجاورة، مما جعل نسب الرطوبة تنخفض والحرارة ترتفع إلى معدلات ربيعية بل وصيفية في بعض الأحيان.
ويشير الخبراء إلى أن غياب المنخفضات الجوية فوق سطح البحر المتوسط يمثل تحديًا صارخاً للهوية المناخية المعتادة الأساسية للشتاء، حيث تحولت الأجواء التي كان يسكنها المطر والغيوم إلى فترات جفاف طويلة تتخللها عواصف ترابية، مما يضع الخبراء والباحثين أمام واقع مناخي جديد يتطلب دراسة معمقة لفهم كيفية التعامل مع هذه المواسم "الضعيفة" مستقبلاً، والتي باتت تهدد التوازن البيئي والزراعي المرتبط ببرودة الشتاء وأمطاره الموسمية.
ويضيف الخبراء أن الأمر لم يتوقف عند منع الأمطار فحسب، بل إن هذا الخلل في التوزيعات الضغطية جعل البلاد عرضة لتيارات مستمرة من الكتل الهوائية الصحراوية الحارة، كما أدى لمنع تكون المنخفضات الجوية فوق سطح البحر المتوسط، والتي كانت من السمات الرئيسية للشتاء المصري، و هذا الواقع
لم يلق بظلاله على الحالة الجوية فحسب، بل امتدت آثاره لتهدد الأمن الغذائي، فالمحاصيل الشتوية الاستراتيجية التى تعتمد بشكل أساسي على "ساعات البرودة" لتكتمل دورة نموها.
يشار إلى أن الارتفاع المفاجئ في الحرارة يؤدي إلى خلل يعجل بنضج المحصول قبل أوانه ويقلل من جودته وإنتاجيته، فضلاً عن زيادة استهلاك المياه في وقت تعاني فيه البلاد من ندرة الأمطار، وهو ما يضع المزارع أمام تحدٍ للتكيف مع شتاء غابت ملامحه."
ووفقًا للخبراء فإن مواجهة آثار الجفاف الشتوي وارتفاع درجات الحرارة غير المعتادة تتطلب استراتيجية عاجلة تبدأ من "الإدارة الذكية لمياه الري"، حيث يصبح من الضروري على المزارعين التخلي عن الممارسات التقليدية والتحول نحو تقريب فترات الري لتعويض معدلات "البخر-نتح" المتزايدة نتيجة السطوع الشمسي القوي.
ويفضل في هذه الحالة تنفيذ عمليات الري في الصباح الباكر أو عند الغروب لضمان أقصى استفادة للنبات وتقليل فاقد المياه بالتبخر، مع ضرورة استخدام "الأحماض الدبالية" التي تعمل على تحسين خواص التربة وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة حول الجذور لفترات أطول، مما يوفر حماية طبيعية للمحصول من صدمات الجفاف المفاجئة.
وعلى صعيد التدخلات الكيميائية والحيوية، يبرز دور "مضادات النتح" وسليكات البوتاسيوم كخط دفاع أول لحماية الأنسجة النباتية من الإجهاد الحراري، حيث تعمل هذه المواد على تقوية جدران الخلايا وتقليل فقد الماء من الأوراق، مما يحافظ على حيوية النبات حتى في ظل ندرة الأمطار. كما يُنصح بالرش الورقي بالأحماض الأمينية المستخلصة من الطحالب البحرية، والتي تلعب دوراً حاسماً في تحفيز العمليات الحيوية داخل النبات، مما يساعده على تجاوز خلل "ساعات البرودة" المفقودة ويعوض النقص الهرموني الناتج عن الحرارة العالية، وهو ما يضمن استمرار نمو المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والبنجر دون تدهور في الجودة.
أما من الناحية الحقلية والوقائية، فإن تقنية "التغطية" باستخدام بقايا المحاصيل السابقة تعد حلاً منخفض التكلفة للحفاظ على برودة التربة ومنع تبخر المياه من السطح، مما يخلق بيئة ميكرومناخية معتدلة حول النبات.
وتكتمل هذه المنظومة بالاعتماد على الحلول الاستراتيجية طويلة الأمد، مثل التوسع في استنباط وزراعة الأصناف قصيرة العمر والمتحملة للحرارة، وتفعيل أنظمة الإنذار المبكر المرتبطة بهيئة الأرصاد، لتمكين المزارع من اتخاذ إجراءات احترازية قبل وصول الموجات الحارة أو العواصف الترابية، مما يقلل من الفجوة الإنتاجية ويحمي الأمن الغذائي في ظل هذه التحولات المناخية المتسارعة.
وفى السياق ذاته استعرضت اللجنة الدائمة لتنظيم إيراد نهر النيل الموقف الحالي للطلب على المياه فى ظل حالة الندرة المائية وعدم سقوط الأمطار خلال الموسم الشتوى وموجه ارتفاع درجات الحرارة التى شهدتها البلاد مع نهايه شهر يناير 2026 وخلال شهر فبراير الجاري، والتي تزامنت مع نهاية فترة السدة الشتوية وبداية الرية العامة بجميع محافظات الجمهورية، والتي أدت لوجود طلب مضاعف علي مياه الرى والشرب بشكل غير معتاد في تلك الفترة من العام، استلزمت اجراءات تشغيلية إضافية لضمان استمرار تلبية الاحتياجات المائية، وتم إستعراض جهود أجهزه الوزارة فى التعامل المرن مع إدارة الموارد المائية، وإجراء الموازنات التشغيلية اللازمة على القناطر الرئيسية والقناطر الفاصلة، وتشغيل محطات الرفع بكفاءة، وضخ التصرفات والدرجات المطلوبة لشبكه الترع لمواجهة الطلب المتزايد علي المياه فى التوقيتات المناسبة .
وأكد الدكتور هانى سويلم وزير الموارد المائية والري على إستمرار الوزارة فى إدارة الموقف المائي بكفاءة، ومتابعة التصرفات على مدار الساعة فى ضوء الإحتياجات المائية لكافة الإستخدامات، والقدرة الإستيعابية للشبكة .
وشدد على مواصلة العمل بكافة أجهزة الوزارة على مدار الساعة لضمان حسن سير العمل بكافة إدارات الرى والصرف على مستوى الجمهورية، مع الاستمرار فى تطهير الترع والمصارف بجميع المحافظات طبقاً للحاجة، والتأكد من جاهزية قطاعات وجسور المجارى المائية وكافة المحطات الواقعة عليها و وحدات الطوارئ لمجابهة أي طارئ، وتحقيق الدرجات المناسبة أمام مآخذ محطات مياه الشرب والكهرباء .