بين ركام الحجر ورماد الذكريات، يولد الفن من رحم الوجع ليقول للعالم إن الحكاية لم تنتهِ بعد، فلم يكن مسلسل "صحاب الأرض" مجرد 30 دقيقة خلف الشاشة، بل كان بمثابة نافذة فُتحت فجأة ليدخل منها هواء غزة المثقل برائحة الصمود والصبر، حين قررت الدراما المصرية، ممثلة فى الشركة المتحدة ، أن تقتحم هذا الميدان، لم تكن تبحث عن "تريند" عابر، بل كانت تبحث عن الحقيقة الضائعة فى زحام نشرات الأخبار الجافة، لتصيغ بدموع الفنانين وبراعة المبدعين ملحمة تليق بأصحاب الحق.
في قلب هذا العمل، نجد الفنان إياد نصار وهو ينسلخ من جلده تماماً ليصبح مرآة لكل فلسطيني. لم يقدم إياد دوراً تمثيلياً بالمعنى التقليدي، بل قدم "حالة إنسانية" نادرة. جسّد ببراعة تلك اللحظة التى يخشاها كل مهجر: "صدمة العودة".
تلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان أمام بيته الذي صار أثراً بعد عين، باحثاً عن وجوه ألفها وشوارع حفظها، ليفاجأ بأن الحرب لم تسرق الجدران فقط، بل سرقت حتى يقينه بالحياة والموت. لقد نقل إياد نصار مشاعر أولئك الذين صلوا "صلاة الغائب" على أحياء ظنوهم رحلوا، والذين أعلنوا الحداد على من لم يودعوهم. أدائه كان صامتاً في أغلب الأحيان، لكن صمته كان يصرخ بأوجاع النزوح من الشمال إلى الجنوب والعودة المثقلة بالخيبات والآمال المتناقضة.
وعلى الضفة الأخرى من المأساة، تأتي الفنانة منة شلبي لتمثل "القلب المصري" النابض بالدعم. بتجسيدها لشخصية الطبيبة التي تترك كل شيء لتمضي مع قوافل الإغاثة، لم تكن منة تمثل فرداً، بل كانت تمثل دولة وشعباً لم يتخلوا يوماً عن دورهم التاريخي.
أدائها الهادئ والرصين عكس الفطرة الإنسانية التي ترفض الظلم، وأبرزت من خلال علاقتها بالشخصيات الفلسطينية أن الوجع واحد والهدف واحد. لقد كانت "الطبيبة" في العمل هي الضمير الذي يربط بين عالمين، مؤكدة أن الإنسانية لا تحتاج لبطاقة هوية لتعرف أين يكمن الحق، وأن الحب والأمل يمكن أن ينبتا حتى في أكثر الأراضي قسوة ودماراً.
لا يمكن قراءة مسلسل صحاب الأرض بمعزل عن الموقف السياسي المصري الراسخ. فالعمل منذ اسمه وحتى تفاصيله الأخيرة، يضرب في مقتل فكرة "تصفية القضية". من خلال تأكيد الناشطين الفلسطينيين خليل أبو إلياس وأدهم المدهون، ندرك أن المسلسل كان ترجمة درامية لقرار القيادة المصرية برفض التهجير القسري منعاً لضياع الهوية.
تسمية العمل بـ "صحاب الأرض" هي في حد ذاتها موقف سياسي وفني قاطع؛ فهي تنفي وجود "هويتين" على أرض واحدة، وتؤكد أن جذور هذا الشعب أعمق من كل محاولات الاقتلاع. المسلسل نجح في تحويل هذا الموقف السياسي الجامد إلى مشاعر ملموسة يراها المشاهد العربي والعالمي، خاصة مع توجيه الخطاب باللغة الإنجليزية، ليوصل الصوت الفلسطيني إلى آذان لم تصلها الحقيقة من قبل.
ما يميز هذا العمل هو شهادة أهل الدار؛ فالنشطاء في غزة لم يروا في المسلسل مبالغة درامية، لأن الواقع كان أقسى بكثير.
لقد ركز المسلسل على التفاصيل الصغيرة التي تغفل عنها الكاميرات: الأم التي تنتظر خلف الباب المهدوم، الأب الذي يحاول انتزاع ابتسامة لطفله وسط الجوع، والشباب الذين يحلمون رغم الركام. هذه التفاصيل هي التي تجعل الفن باقياً بينما تُمحى الأخبار من ذاكرة المشاهد بمجرد انتهاء النشرة.
إن أهمية مسلسل صحاب الأرض تكمن في كونه جزءاً من "معركة الوعي"، فقد أثبتت الدراما المصرية هنا ريادتها، ليس فقط في جودة الإنتاج، بل في صدق المحتوى وقدرته على أن يكون "مرآة للذاكرة".
هذا العمل يضع المشاهد أمام مسؤوليته التاريخية؛ فهو يوثق مرحلة مفصلية من حياة سكان غزة بعد السابع من أكتوبر، ويجعل من الصعوبة بمكان أن يتم تزوير هذه الرواية في المستقبل.
فى الختام، يظل صحاب الأرض علامة فارقة في تاريخ الدراما العربية الهادفة. شكراً للدولة المصرية التي جعلت من قوتها الناعمة صوتاً للمظلومين، وشكراً لـ "الشركة المتحدة" التي خاطبت العالم بلغة يفهمها الجميع، وشكراً لإياد نصار ومنة شلبي اللذين لم يمثلا بل "عاشا" المعاناة ليشعرانا بها.
ستبقى هذه المشاهد محفورة في وجدان الأجيال، تذكرهم بأن هناك شعباً لا يموت، وأن هناك أرضاً لا تُباع، وأن هناك فناً لا يعرف الانكسار، صحاب الأرض ليس مجرد اسم لمسلسل، بل هو حقيقة ساطعة كشمس غزة التي ستشرق يوماً على حرية كاملة.