د. نظير عياد

رمضان وبناء الضمير الإنسانى

السبت، 21 فبراير 2026 12:56 م


يأتى رمضان كل عام ليمنح الإنسان فرصة نادرة لمراجعة نفسه، واستعادة صوته الداخلى الذى قد يطغى عليه صخب الحياة والشغل بها، ففى زحام الحياة والضرب فى الأرض سعيا لتحقيق مصالح الإنسان، ومع تلاحق المسؤوليات وكثرة أعبائها، قد يرتكب الإنسان بعض الأخطاء، ومع المداومة عليها يعتادها، أو يبرر لنفسه تقصيرا هنا أو تجاوزا هناك، ورويدا رويدا يخفت داخله صوت الضمير؛ ذلك الصوت الحى الصارخ الذى يميِّز الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فتختلط الأمور وتشتبه عليه، وهنا يتجلَّى رمضان بوصفه موسما لإيقاظ الضمير، وإعادة بناء الرقابة الداخلية التى تُبقى الإنسان مستقيما فى غيبة العيون، كاستقامته فى حضور الناس وتَسلُّط الأضواء عليه.

إن الصيام فى حقيقته ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، وإنما هو تدريب عملى على استحضار مراقبة الله فى كل لحظة؛ إذ يمتنع الصائم عن المباح وهو قادر عليه، لا خوفا من رقيب بشري، بل التزاما بأمر الله تعالى، وهو ما يربّى فى النفس مَلَكة المراقبة، ويرسخ قِيم الأمانة والصدق مع الذات. ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، فالتقوى هى يقظة الضمير، وحضور الله فى قلب الإنسان وهو يختار أفعاله ويَزِن كلماته.

ورمضان فى جوهره مدرسة لإحياء الضمير الإنسانى، إذ يدرك الصائم أن العبادة ليست فى الامتناع الظاهر فحسب، بل فى تهذيب السلوك، وضبط اللسان، وتنقية القلب من الأحقاد. ولذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه»، فى إشارة واضحة إلى أن الصيام الحقيقى هو صيام الجوارح عن الأذى، وصيام القلب عن القسوة، وصيام النفس عن الظلم، والضمير الذى يُبنى فى رمضان يبدأ بإصلاح عَلاقة الإنسان بنفسه، حين يقف مع ذاته وقفة صدق، يراجع أخطاءه، ويتأمل تقصيره نادما عليه، فيسعى إلى إصلاح ما أفسدته العَجلة أو الغفلة، فالإنسان فى لحظات الصفاء الرمضانية يكتشف أن سعادته لا تتحقق بكثرة ما يملك، بل بسلامه الداخلي، ورضاه عن سلوكه، وشعوره بأنه يسير فى الطريق الصحيح، كما ينعكس هذا البناء الداخلى على عَلاقة الإنسان بالآخرين؛ إذ يشعر الصائم بمعاناة المحتاجين حين يذوق طعم الجوع، فيلين قلبه، ويتحرك ضميره نحو الرحمة والعطاء، ومن هنا كان رمضان موسما للتكافل، تتسع فيه دوائر الخير، ويتقارب الناس، ويشعر كل فرد بمسؤوليته تجاه مجتمعه، لأن الضمير الحى لا يقبل أن يَنعم صاحبه وحده بالوفرة، بينما غيره يرزح تحت نِير الضيق أو الحاجة، ومن أعظم مظاهر بناء الضمير فى هذا الشهر أن الإنسان يتعلم مراقبة نفسه قبل أن يراقبه الآخرون؛ فالصائم قد يكون بعيدا عن أعين الناس، قادرا على سد الجوع والعطش وإتيان الشهوات دون أن يشعر به أحد، لكنه يمتنع لأن ضميره حاضر، ولأن علاقته بالله أقوى من أى رقابة بشرية. وهنا تتحقق أعلى درجات الأمانة، حين يصبح الإنسان رقيبا على نفسه فى السر والعلن، وقد جسَّد النبى صلى الله عليه وسلم هذا المعنى فى حياته، فكان أصدق الناس، وأرحمهم، وأعدلهم، حتى صار أنموذجا حيّا للضمير الإنسانى المستنير بنور الوحي، فاجتمعت فى شخصه الرحمة والحكمة والعدل، ليعلِّم الناس أن الإيمان الحق يظهر أثره فى معاملة الناس قبل أن يظهر فى الْتزام الطقوس وإتيان الشعائر.

وفى عالم اليوم، حيث تتزاحم المصالح وتتعارض وتشتد المنافسة، ويشمر لها المنافسون السواعد فى الحق أو فى الباطل، تبرز الحاجة إلى ضمير يَقِظ يضبط حركة الإنسان، ويمنعه من الانزلاق فى طرق الظلم أو الأنانية. ورمضان يمنح الإنسان فرصة سنوية لإعادة شحن هذا الضمير، وتجديد قيم الأمانة والرحمة والعدل فى حياته، حتى لا تتحول الحياة إلى صراع مصالح بلا قيم أو مبادئ، وهكذا يظل رمضان فرصة سنوية لبناء الضمير الإنسانى من جديد، حتى يخرج الإنسان من أيامه وقد استعاد صفاء قلبه، واستقامت بُوصلته الأخلاقية، وأصبح أكثر وعيا بمسؤوليته تجاه نفسه وتجاه الناس، فيعيش حياته بضمير حيٍّ، ويقبل على ربه بقلب سليم وعمل صالح.
وللحديث بقية..




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة