عصام محمد عبد القادر

رمضان.. النور والهداية

السبت، 21 فبراير 2026 03:15 م


يأتي رمضان؛ ليعيد تشكيل الوجدان الإنساني على هديٍ من النور، والسكينة، فهو ليس شهر امتناعٍ شكليّ عن الطعام، والشراب، بل موسم، تتجدد فيه معاني الهداية في القلوب، وتُستنهض فيه عزائم السالكين إلى الله، إنه محطة إيمانية كبرى، يتخفف فيها المرء من أثقال المادة، ويُقبل على تزكية روحه؛ مستضيئًا ببصيرة التقوى، ومتطلعًا إلى أن يكون رمضان بداية تحول، لا نهاية موسم عابر.


شهر الصيام دعوة صريحة إلى تهذيب النفس، عبر بوابة المجاهدة، فالمقصود ليس حرمان الجسد من شهواته فحسب، وإنما ترسيخ الصبر، وتعميق التقوى، وتصحيح النوايا، وتنقية السرائر من شوائبها، ومن هنا تتسع دائرة المحبة، ويشتد رباط الأخوة، ويغدو الإيمان قوة دافعة، تبعث الأمل في الوجدان، وترفع الروح فوق هموم الدنيا، وانشغالاتها؛ لتتسابق في ميادين الخير، طامحة إلى أن يمتد أثر رمضان؛ ليشمل العام كله.


إذا كان رمضان شهر عبادة، فإنه كذلك مدرسة أخلاقية كبرى، إذ يعزّز الشمائل الكريمة، عبر جسر القيم النبيلة، والخلق الرفيع، يتغذّى الفرد من معين الهداية، ويرتوي من نبع التقوى، فيترجم ذلك إلى سلوك عمليّ، يتجلى في التكافل، والتراحم، وحسن الصلة بالناس، وحب القيام بالفرائض، والسنن، مع الحرص على إتقان العمل، وهكذا تتجسد التجربة الرمضانية في تهذيب النفس، وتقوية الإرادة، وبناء إنسان متوازن، يدرك أن الفضيلة التزام دائم، لا انفعال عابر.


النور الذي يُشِعُّ في هذا الشهر، لا يعني تعطيل مصالح الحياة، ولا الانصراف عن واجبات العمران؛ فقد استخلفنا من أجله، ومن ثم يعد برهانا على بذل الوسع في طلب رضا الله-تعالى-، من خلال العمل الجاد، والإنجاز المتقن، فالمؤمن الحق يوقن أن العبادة تزيده همة، ونشاطًا، وتمنحه عزيمة، لا تعرف الفتور، فلا يجعل الصوم ذريعة للتقصير، ولا يتكأ على أعذار، تكرس الإهمال، ومن يزرع بإخلاص يحصد ثمرة سعيه، ومن يتقن عمله يزداد ثقة بنفسه، ويترجم أوامر عقيدته في صورة حضارية مشرقة.


من هذا المنطلق فإن الصيام، لا يصرف الإنسان عن خدمة مجتمعه، بل يدفعه إلى قضاء حوائج الناس، التي تعد من أجل القربات، وأعظم الطاعات، فالشهر الفضيل شعلة إرادة، توقظ العزائم، وتنير دروب الإيمان، وتغرس روح المسؤولية في كل خطوة، يخطوها المرء، والعمل في ميزان الاستخلاف جزء أصيل من معنى العبادة، وطريق راسخ؛ لتحصيل الأجر، فلا تعارض بين السجود في المحراب، والسعي في مناكب الأرض.


إنه شهر تربية النفوس على المكارم، يجمع بين العبادة في إطارها القويم، والأخلاق في التعامل، والممارسات؛ فيغدو المجتمع أكثر تضافرًا، وتماسكًا، وتبقى القلوب على صفاء، وتتحول الإنسانية إلى واحة من الرحمة، والهداية، تتزكى الأرواح بالصبر الجميل، وتترسخ معاني العطاء، ويتهذب اللسان عن اللغو، والأذى؛ فتسمو العلاقات على أساس من الإيثار، والتراحم، ويصبح الإحسان سلوكًا يوميًّا، لا شعارًا عابرًا، فتتحقق رسالة الصوم في إصلاح الفرد، وبناء الجماعة.


في أجواء النورانيات، والنفحات يتحول الصوم إلى منهج حياة، فنترجم مراقبة الله-تعالى- إلى أمانة في الأداء، وحرص على الإتقان، ونضبط الجوارح بوعي، ومسؤولية، ونرتقي بقراراتنا فوق نوازع الشهوة، فإذا جاع الجسد تذكر القلب حاجات الآخرين؛ فانبثق العطاء، وإذا عطش الفم تهذب اللسان؛ فصفا الخطاب، وإذا طال القيام خشعت النفس؛ فاستقامت المعاملة، عندئذٍ يغدو رمضان أثرًا ممتدًا في السلوك، والوجدان، لا زمنًا عابرًا في التقويم، بل نورًا، وهداية، يسريان في تفاصيل الحياة كلها.


يظل رمضان رسالة متجددة، ومجددة لنفوسنا؛ كونه النور الباقي، وليس وهجًا عابرًا؛ فهو التزامٌ يُعاش، ونقول بأن الهداية ليست كلماتٍ تُقال، بل مسارا يُسلك، فإذا أحسنّا استقبال الشهر بعزيمة صادقة، وأتقنّا ترجمته في واقعنا خلقًا، وعملًا، وبذلًا، تحول إلى نقطة انطلاق نحو صلاح، وإصلاح دائم، وصار ميزانًا، نقيس به صدق توجهاتنا، وصفاء المقصد؛ حينئذٍ لا ينقضي رمضان بانقضاء أيامه، بل يبقى أثره شاهدًا علينا في السلوك المستدام.


نسأل الله العلي القدير أن يجعل شهر رمضان مفتاحًا لهداية قلوبنا، واستقامةً في جوارحنا، وأن يغرس في أرواحنا جميل الصبر، وصدق التقوى، وحسن التراحم، اللهم خُذ بأيدينا إلى كل خير وصلاح، وارحم من رحلوا عنا واجعل أعمالهم نورًا يضيء قبورهم، وأَدِم علينا نفحات هذا الشهر الفضيل؛ ليكون نبراسًا منيرًا يهدي خطانا، وزادًا يعيننا على دروب الخير، اللهم آمين.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة