عصام محمد عبد القادر

رمضان.. سكنُ الأرواح

الجمعة، 20 فبراير 2026 12:48 ص


شهر رمضان بمثابة طريق للعودة إلى هداية النفوس، واستقرار الوجدان في حيز الهدوء، بعيدًا عن تموّجات الحياة الزاخرة بالصخب، وتحول الفكرة من إطارها المادي إلى شغفها الروحي؛ ومن ثم التفاف حول ما يُشعر الإنسان بالدفء، ومرفأ ترسوا عليه الذات؛ لذا فإن الفرصة سانحة؛ للتأمل، والطريق ممهد للمراجعة، والدرب مفعم بصور أعمال الخير، والضمير جاهز لمغادرة ملذات فانية، عابرة، والتمسك بلباب التوبة، والغفران.

صقيع الغفلة نستفيق منه في شهر النفحات؛ حيث نجدد قيمًا، قد أضحت منا ببعيد؛ فهذه هي الرحمة، التي تنير قلوبنا ضياءً، وتزرع في نفوسنا خيرًا، لا ينضب نماءه؛ فتصبح حياتنا عامرة بالسكينة، مثمرة بالمحبة المستدامة للبشر قاطبة، وهذا هو العطاء، الذي يجعل أفئدة دافئة سخية؛ فرائحته تروي ظمأ أرواح عطشة؛ ومن ثم يتوج المعطاء بسمة السخاء، التي تعد تاجًا، لا تنال منه هلاوس النقص، ولا يحد من تدفقه ضعف، ينتاب الفرد، بل، يزيد القلب نورًا، ويغذّي الروح بغنى، لا يُقدّرُ بمال.

صفاء النوايا يلتهب في شهر الفضيلة من خلال ذكر متصل، ودعاء متناغم، ورحلة مفعمة بالطاعات؛ إذ يدرك الإنسان منا قيمة السلام الداخلي؛ فيستنير العقل، ويطهر الوجدان، ويتحقق مرمى غالٍ، يتمثل قطعًا في توزان النفس، التي تهجر عادات قد ارتبطت بماديات الحياة، وغاصت في تفاصيلها؛ فبدا التيه يحيط بها؛ لذا فإنها تستعيد طاقتها؛ لتخرج من ضبابية الأيام إلى هويتها الإنسانية السامية؛ حيث الإخلاص في الصيام، والقيام بما يورّث إيمانًا صادقًا، ويؤكد ملامح الطمأنينة.

حنين العودة في شهر المغفرة، ينقلنا من حيز الحرمان، إلى السكن، إلى هدوء نفس، لا تركن إلى جماح الجسد، ولا صخب شهوات مشروعة؛ فحينما نظمأ، ونجوع نستلهم ماهية الفطرة، التي يعلو من منبرها صوت الروح؛ لتحتل المكانة المستحقة، وهنا تتحقق المعادلة الصعبة؛ حيث لذة الطاعة المتمثلة في امتلاء القلوب بفقه الحديث، وعمق التأمل في قول رب العالمين؛ لتتخلص الأرواح من وحل قيود حياة فانية، وتهرب، وتهرول إلى طريق يورّث السعادة، والمثوبة في الدارين.

قراءة القرآن الكريم في هذا الشهر المعظم، يمكننا من هندسة أرواحنا؛ كي يُعاد تشكيل تضاريسها؛ فنتمكن من تدبر آيات السميع العليم؛ فنرى لبنات نورانيات، يمنحنا بها العلي القدير؛ حينئذٍ نوقن أن القرآن قد بات سكن الروح، وسياج الطمأنينة للنفوس، وحفظا للعقول، وحافظا للأفئدة؛ ومن ثم نستمتع بحصانة الفكر، والتفكر، وننال المناعة المرتبطة بعقيدتنا السمحاء؛ ومن ثم تصبح صدورنا بمثابة المحراب، الذي يتسع الكون بتفاصيله، وهنا ندرك أن الشفاء كامن في جرعات، مستندةً إلى ركنٍ شديدٍ من كلامِ ربِّ العالمين.

أجمل ما في هذا الشهر، يتمثل في التجمع على مائدة الذكر، والعبادة؛ إذ ترى الاندماج الاجتماعي في بيوت الرحمن الرحيم، سواءً في صلوات مفروضة، أو سنن حميدة، أو جلسات تلاوة، تطرب الوجدان، أو اجتماع طيب على موائد الإفطار؛ ومن ثم تزول الفوارق، وتذوب حالة الجمود، وتندثر الضغائن، وتطيب النفوس، وتبدو الألفة بين الجميع، دون استثناء، وتتسامى لغة الصفح، وتنسجم القلوب حول أخوة خالصة لوجه الله الكريم؛ إنها حالة فريدة، يتفرد بها الإنسان، الذي يمتلك عقيدة وسطية.

سحر رمضان له مذاق خاص، ونفحاته يتمتع بها الإنسان في خلوة، يناجي من خلالها ربه- عزوجل-، ويدعوه بقلب سليم؛ إذ يتجرد من حالة الأنا، ويُبدي الرجاء، ويخرج من انكسار الدنيا إلى رباط، يعقده مع الله- عزوجل-، فيشكوا إليه الضعف، ويطلب الغفران، ويطمح في مزيد من الكرم، والمثوبة، ويطرح أمنياته لمستقبل مشرق، يراه من خلال بوابة رضا الإله - سبحانه-، الذي بيده مقاليد السماوات، والأرض، وفي خضمّ ذلك تتشبع الأرواح بسلام، يمنحها المقدرة على مواجهة نوازل، وعواصف الدهر وفق منهجية الرسوخ، والثبات.

اللهم اجعل رمضان سكنًا لأرواحنا، وطهّر قلوبنا، وارزقنا صدق نية التوبة، ولذة القرب منك، واجعل القرآن ربيع صدورنا، واغفر لنا ولوالدينا، ولمن فارقوا الحياة، واجعل قبورهم روضةً من رياض الجنة، واجمعنا بهم في رحمتك غير خزايا ولا محرومين.
--

أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة