الإنسان بطبيعته يحتاج إلى قوتين تحكمان سلوكه، قوة تدفعه إلى الفعل، لأنه لو تُرك لنفسه ما أنجز شيئًا، ولركن إلى ما يوافق هواه، وقوة تحميه وتدافع عنه وترافق عجزه وقلة حيلته، وهاتان القوتان تجتمعان في اسم الله "الجبار"، ففيه من المعاني ما يتصل بعظمة الله وقدرته، وفيه ما يتصل بجبره للقلوب ورفقه بعباده، ونحن جميعًا نسير في هذه الأرض راجين من الله أن يضبط خطواتنا وأن يجبر كسرنا.
واسم الله الجبار وارد في القرآن الكريم، كاسم من أسماء الله الحسنى مرة واحدة صريحًا في قوله تعالى: "هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ" (الحشر: 23)، واستُعمل الجذر نفسه في القرآن بمعنى القهر والعلو أو التكبر عند البشر، ومن ذلك: "وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ" (ق: 45) أي لست بمكره لهم على الإيمان، "وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا" على لسان عيسى عليه السلام (مريم: 32) أي لم يجعلني متكبرًا ظالمًا، فيُفهم من سياق الآيات أن الجبرية إذا وصف بها البشر فهي ذم، وإذا وصف بها الله فهي كمال وعظمة.
اسم الله الجبار ورد في حديث صحيح في وصف مشهد القيامة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "تكون الأرض يوم القيامةِ خُبزةً واحدةً، يتكفؤُها الجبارُ بيده" أخرجه البخاري في صحيحه، هذا الحديث يدل على إطلاق الاسم "الجبار" على الله تعالى في السنة الصحيحة.
اسم الله الجبار في اللغة، في المعاجم القديمة، في "لسان العرب" لابن منظور، في مادة "جبر": "الجبارُ: الله عزَّ اسمُه، القاهرُ خلقَه على ما أراد من أمرٍ ونهيٍ، والجبار في صفة الله عز وجل الذي لا يُنال"، وفي معاجم اللغة الحديثة: "من أسماء الله الحسنى، ومعناه: العالي الذي لا يُنال، وصاحب الجبروت والتكبر، والقاهرُ خلقه"، وخلاصة المعنى اللغوي في التراث المعجمي للفظة (جبر): جبر الكسر يعني الإصلاح والترميم، وجبر الفقير إغناؤه وسد خلته، ويدل كذلك على العلو الذي لا يُنال، والقهر والغلبة.
اسم الله الجبار عند المفسرين، يقول ابن كثير، في تفسير قوله تعالى: "الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ" من سورة الحشر: "الجبار: المُصلِح أمور خلقه، المتصرف فيهم بما فيه صلاحهم"، ويجمع معاني العزة والجبرية والكبرياء لله وحده، مستشهدًا بالحديث القدسي: "العظمة إزاري والكبرياء ردائي..." (الحديث في صحيح مسلم). وينقل الإمام البغوي عن ابن عباس في تفسير "الجبار": "الجبار هو العظيم، وجبروت الله عظمته"، وينقل عن غيره من السلف، أنه من "الجبر" بمعنى الإصلاح، "يجبر الفقير ويجبر الكسير"، وقال السدي ومقاتل: "هو الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما أراد"، ويُروى عن بعضهم في معنى "الجبار": "هو القهار الذي إذا أراد أمرًا فعله، لا يحجزه عنه حاجز"، ويقول الشوكاني في "فتح القدير": "الجبار: جبروت الله عظمته، والعرب تسمي الملك: الجبار". أما السعدي فيقرر أن "الجبار" يجمع ثلاثة معان: العلي الأعلى، القهار، والرؤوف الجابر للقلوب المنكسرة، وللضعيف، ولمن لجأ إليه.
اسم الله الجبار في كتب العقيدة والتصوف، يرى الإمام الغزالي في "المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" الجبار أنه "الذي يجبر الضعيف، وكل قلب منكسِر لأجله، فيجبر الكسير، ويغني الفقير"، وهنا يتسع معنى الاسم عند الغزالي ليشمل جبر الخواطر وجبر القلوب، لا مجرد القهر والغلبة، وابن القيم في "النونية" وشرح الأسماء، يجمع معاني "الجبار" في ثلاثة محاور، هي: جبر الضعيف والكسير: جبر رحمة، ولطف بالمنكسرة قلوبهم، جبر القهر والعزة: قهره للخلق على ما يشاء، وعلوه الذي لا ينازع، العلو: فهو العلي الذي لا تُدرَك ذاته، كما يقال "نخلة جبّارة" لطولها وارتفاعها.
إذن الله الجبار هو المصلح لعباده الرحيم بهم مرة بالتقويم ومرة بالرفق واللين، فهو الذي يدلنا على طريق الصواب، ويجبر كسرنا ويرفق بنا فلا يكسر خاطرنا أبدًا، ويمكن لنا أن نتعظ من ذلك، فنرفق ببعضنا ونجبر خواطر عباد الله.