المجيب هو اسم الله المطمئن للناس الذين يرسلون دعواتهم، راجين من الله سبحانه وتعالى أن يستجيب لهم، ويحقق لهم ما يراه في صالحهم، ومن منا لا يحمل أمنية يرجوها؟ علاقة قوية بين الله والعبد تقوم على الدعاء ومنه الاستجابة، وعندما نفكر في اسم الله المجيب تستقر نفوسنا وتهدأ، ونعرف أننا لا نسير في الحياة وحدنا.
ولو توقفنا عند اسم الله المجيب في التراث الإسلامي، وجدنا أنه يرد صريحا في القرآن الكريم، وقد جاء وصفا لله تعالى في سياق دعوة صالح لقومه: "إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ" (هود: 61).
وفي تفسير الطبري لهذه الآية يوضح المعنى مباشرة: قريب ممن أخلص العبادة ورغب في التوبة، مجيب إذا دعي. كما جاء اسم الله المجيب مرتبطا بالقرب، فيقول: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ" (البقرة: 186)، وهي آية جامعة وحاكمة للعلاقة بين الله وعباده.
ويستدعي القرآن صورة أخرى أشد إنسانية، هي صورة المضطر، يقول تعالى: "أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ" (النمل: 62)، ثم نصل إلى أصل العلاقة إذ يقول: "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" (غافر: 60)، وهي العقد الدائم بين الإنسان وربه، يتجدد دائما، فتظل الاستجابة ركنا ركينا يرتكز عليه الواحد فينا.
أما اسم الله المجيب في السنة، فليس وعدا مطلقا بلا شروط، فالسنة تنظم أدب الدعاء لله، وتشير إلى كيف يطلب العبد، وبأي قلب، وأي يقين.
ومن المعاني الواردة في السنة العزم في الطلب وترك التردد، جاء في صحيح مسلم: "إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت... ولكن ليعزم المسألة"، والمعنى هنا واضح: الدعاء ليس "احتمالا لغويا"، بل موقفا داخليا، فالتردد يضعف معنى التوجه، والعزم يوافق حقيقة العبودية.
ومن المعاني الأخرى الواردة في السنة حضور القلب شرطا أخلاقيا، ورد حديث: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة..." مع زيادة: "واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل.." وقد تداولته كتب التخريج والحكم عليه بين التصحيح والتحسين عند بعض أهل العلم.
أما اسم الله المجيب في التراث فيحمل طبقة مهمة، هي أن الإجابة ليست مجرد "وقوع المطلوب"، بل "قرب وتربية وتدبير"، فابن كثير يربط "قريب مجيب" مباشرة بآية البقرة: "فإني قريب أجيب دعوة الداع..." فيوضح أن الإجابة امتداد لمعنى القرب لا انفصال عنه.
وابن عاشور يقرأ "قريب مجيب" بوصفها استئنافا يفتح باب الأمل لمن استعظم ذنبه، كأن المعنى يقول لهم: لا تغلقوا الباب من جهتكم... فالله قريب مجيب.
وفي "المقصد الأسنى" للغزالي يقدم "المجيب" بوصفه الذي يقابل دعاء الداعين بالإجابة، وأن العبد يتأدب بأن يطلب، ثم يسلم للحكمة فيما يختار له.
ومن هنا نعرف أن اسم الله المجيب جزء أساسي من بناء شخصية الإنسان المسلم، الذي يدرك أن السير وحيدا في الحياة مهلكة وعجز، وأن الله المجيب لنا هو سندنا.