د. سمر أبو الخير تكتب: شهر رمضان علاج لتأخر النطق عند الأطفال

الأربعاء، 18 فبراير 2026 07:23 م
د. سمر أبو الخير تكتب: شهر رمضان علاج لتأخر النطق عند الأطفال د.سمر أبو الخير

شهر رمضان ليس مجرد زمنٍ للصيام وتبدل مواعيد الطعام، بل مساحة إنسانية وروحية قوية وكثيفة بالتواصل والتكرار والدفء العائلي، يمكن أن تتحول، إذا تم توظيفها جيدًا، إلى بيئة علاجية طبيعية لدعم وعلاج تأخر النطق عند الأطفال.

في هذا الشهر الفضيل تتغير إيقاعات البيوت، وتتجدد مفردات الحديث، وتتكرر العبارات والأدعية والتحيات، فتتشكل أمام الطفل ورشة لغوية مفتوحة لا توفرها الجلسات الرسمية وحدها، ولا تصنعها المواعيد الجامدة بقدر ما تصنعها اللحظات الحية.

ورغم ذلك تقع كثير من الأسر في خطأ فادح، وهو اعتبار الشهر الكريم فترة إجازة وتوقف عن جلسات التخاطب بحجة الصيام والانشغال، غير أن المهارات اللغوية لا تعرف الإجازات؛ فالنمو اللغوي عملية تراكمية، وكل انقطاع غير محسوب قد يؤخر خطوات كان الطفل قد بدأ يثبتها بثقة.

كما أن التدخل المبكر والمستمر يظل الأساس في علاج تأخر النطق، لأنه يحمي الطفل من الإحباط ويعزز قدرته على الاندماج المدرسي والاجتماعي والمطلوب هنا ليس مضاعفة الجهد، بل إعادة توزيع الطاقة، مثل جلسات أقصر بعد الإفطار، وتدريبات مدمجة في الروتين اليومي، وأنشطة تتحول فيها الحياة نفسها إلى تدريب غير مباشر.

إن الروتين الرمضاني المختلف يمنحنا فرصًا ذهبية في علاج تأخر النطق والكلام عند الأطفال؛ فرحلة شراء الاحتياجات يمكن أن تتحول إلى درس مفردات حي للطفل، مثل تسمية الخضروات، ووصف الألوان، والحديث عن الأصوات في السوق.

وفي المطبخ، يصبح تقطيع الخيار أو سكب الماء مناسبة لتعليم الأفعال في سياقها الطبيعي، والكلمات الحسية مثل "ساخن" و"بارد" و"حلو" و"حامض" تغدو خبرة يومية تطبيقية لا تعريفًا نظريًا. والأجمل هنا أن اللغة ترتبط بالحواس لا بجلسات التخاطب النظرية، وكلما ارتبطت الكلمة بالتجربة ترسخت في الذاكرة.

أما لحظة الأذان فيمكن استغلالها أفضل استغلال في تحسين وعلاج تأخر النطق والكلام؛ فعندما يشاهد الطفل المؤذن الحقيقي، لا الافتراضي، ويرى الأسرة وهي تردد خلفه عبارات الأذان، فإنه يبادر إلى تقليد صوته ونبرته، وهو ما يعزز الإيقاع الكلامي ويقوي الجهاز الصوتي، وهما عنصران أساسيان في وضوح النطق، حيث أن التكرار اليومي في أجواء روحانية هادئة يمنح الطفل فرصة للتدريب دون شعور بالضغط أو التقييم.

ومع تكثيف الزيارات العائلية، يتعرض الطفل لنماذج لغوية متعددة، فيتعلم بالمحاكاة والمشاركة؛ من تحية بسيطة، أو سؤال قصير، أو إسناد مهمة صغيرة له مثل تقديم طبق أو إحضار شيء، كلها مواقف تواصلية حقيقية تفتح أمامه باب المبادرة.

كما أن نجاح جلسات التخاطب لا يكتمل إلا حين يمتد أثرها إلى البيت، وحين يصبح الإخوة والأقارب شركاء في صناعة الكلمة.

وتمثل القصص الرمضانية رافدًا مهمًا لنمو اللغة؛ فقراءة قصة مبسطة عن الصيام أو رؤية الهلال، مع التوقف عند الصور وطرح أسئلة مفتوحة، ينمي مهارات السرد والوصف.

كما أن الأناشيد الإيقاعية تدعم الذاكرة السمعية وتمييز الأصوات، وهو ما ينعكس إيجابًا على مخارج الحروف وإنتاج الكلمات.

والحقيقية أن اللغة لا تنفصل عن الغذاء والصحة العامة؛ إذ تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى الارتباط الوثيق بين التغذية المبكرة والتطور المعرفي، وهو أساس التعلم والتواصل، كما أن فيتامين ب6 الموجود في التمر والموز والحبوب الكاملة يرتبط بوظائف عصبية مهمة للكلام.

كما تسهم أحماض أوميجا 3 المتوفرة في الأسماك والمكسرات في تحسين الانتباه والسلوك، وهما عنصران محوريان في اكتساب اللغة، أما الترطيب الكافي فيحافظ على مرونة الأحبال الصوتية ويسهل إخراج الأصوات بوضوح.

والنصيحة التي أقدمها لكل أولياء الأمور في هذا الشأن هي ضرورة استثمار أجواء شهر رمضان المبارك؛ لأنه مليء بالمفردات والأحداث والعبادات والعادات غير المألوفة للطفل، والتي تكون أكثر جذبًا للانتباه، وحين تتحول اللحظات العائلية البسيطة إلى فرص تواصل حقيقية، يصبح البيت نفسه مركزًا للعلاج، وتغدو الكلمة الصغيرة إنجازًا كبيرًا يفتح أمام الطفل أبواب العالم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة