هبة مصطفى تكتب: الرسائل العابرة

الثلاثاء، 17 فبراير 2026 07:57 م
هبة مصطفى تكتب: الرسائل العابرة هبة مصطفى

عزيزي القارئ في رحلة الإنسان على هذه الأرض، لا يسير وحده، بل تحيط به “قوانين” لم يشارك في وضعها بشر لكنها ذاتية يفرض بعضها الواقع، ويصنع بعضها الآخر ضميره. تلك قوانين لا تسن في البرلمانات، ولا تكتب في الدساتير، لكنها أشد حضورا وتأثيرا من أي نص قانوني. قوانين تسكن في دفاتر النفس، وتتحكم في مساراتنا بقدر ما تفعل القوانين المدنية وربما أكثر في حياة الإنسان. قوانين تحكم الداخل قبل الخارج، وتوجه السلوك قبل أن تراقبه. إنها قوانين التسخير الذاتي للذات ، والتغير الإجباري، والعزم، والإلزام الذاتي غير المقرون بثواب او عقاب وحب الذات المتوازن حتى لا يتحول من حق مشروع  ال النقيض والسؤال هل توجد هذه القوانين؟ وإن وجدت، كيف نتعامل معها؟ وهل تحتاج إلى سن معين أو خبرة محددة؟ وهل تختلف عن القوانين المدنية؟ وكيف يمكن أن تتكامل لبناء مجتمع ناضج ووطن متماسك؟
عزيزي القارئ مما لاشك فيه ان العالم المعاصر يشهد تضخما في التشريعات مقابل تراجع ملحوظ في الالتزام الأخلاقي الذاتي. هذه المفارقة تطرح سؤالا جوهريا هل تكفي القوانين المدنية لضبط المجتمعات، أم أن هناك قوانين أعمق ذاتية وروحية تشكل الأساس الحقيقي للاستقرار الحضاري؟ يمكن تصنيف ما نسميه “القوانين الداخلية” سبق الاشارة اليها عالية. عزيزي القارئ سنلقي الضوء باختصار لتلك القوانين التي تمثل مدرج الاستقرار الانساني والمجتمعي. فحين ننظر الي قانون التسخير لا يذهب عقلك الي تسخير الجان، لا تكليف مجرد من القوة العارمة لتحقيق غرض ذاتي، نعم يمكن القول انه توظيف توجيه طاقات الإنسان، مهاراته، وعلاقاته نحو تحقيق أهداف نبيلة وبناءة. كل ما لدينا من قدرات هو أداة يمكن تسخيرها للارتقاء بالذات أو خدمة المجتمع، وليس مجرد امتلاك أو استغلال. وتأكد أن الفرد الذي يفهم هذا القانون، يتعامل مع إمكانياته كأمانة، ويضعها في مسار إيجابي مستدام، بينما من يجهل هذا القانون يهدر طاقاته أو يستخدمها لمصالح ضيقة، مما يؤدي إلى ضرر الذات والمحيط في خدمة الصالح العام. وفي الفكر المسيحي، تبنى العلاقة مع الخلق على الرعاية، بينما تؤكد اليهودية على مفهوم العهد والالتزام المتبادل.
أما عن قانون التغير الإجباري، فالتعامل معه منطقيا في ظل ما نحن فيه من تطورات وتحديات المجتمع، هو واقع. فالتغير الإيجابي أو السلبي من وجهة نظر البعض لابد أن نتعامل معه على أنه فرصة. نعم، فالفرد السوي الذي يفهم هذا القانون يرى التغير والأزمات كفرص للنمو والبناء وليس مجرد مبرر للتراجع أو الانكسار. أما عن قانون العزم، فيتمثل في الإرادة الداخلية لاستمرارية اتخاذ القرارات الصحيحة رغم الصعاب، وهو ما ينشئ تأثيرا إيجابيا داخل النفس وخارجها. أما عن قانون الإلزام الذاتي، فهو الرقابة الداخلية. ومن هنا القانون المدني يعمل بعد وقوع المخالفة، أما الإلزام الذاتي فيمنع المخالفة قبل ولادتها فحين يضع الفرد لنفسه معيارا أخلاقيا ثابتا، تقل الحاجة إلى رقابة خارجية مكثفة. هنا تتحقق معادلة الاستقرار: ضمير يقظ + قانون عادل = ثقة اجتماعية. لذا فإن ضبط النفس قبل الرقابة الخارجية يقلل الأخطاء ويقوي الثقة بالنفس وبالمجتمع. وقمة الدرج قانون حب الذات لتحقيق التوازن النفسي الذي يخلق قوة داخلية وإيجابية، بينما تضخمه يولد صراعات وأذى للذات والمحيط.
عزيزي القارئ نحن في عالم يتسارع فيه الزمان وتتشابك فيه المسؤوليات، فنجد أنفسنا نرسل رسائل العابرة، رسائل تبدو للكثيرين مجرد كلمات تتطاير مع الهواء، لكنها في الحقيقة أكثر عمقا مما نعتقد. إنها تعكس صراعات داخلية، حالة من التناقض بين ما نعرفه من صواب وما نؤجله، بين ما نطالب به للآخرين وما نغفل عن تطبيقه على أنفسنا. هذه الرسائل هي مرآة النفس، وبوصلة ضميرنا التي غالبا ما تتجاهلها الضوضاء الخارجية.
ومن هنا لانصف ضحايا.. لسنا ضحايا القوانين.. بل نحن ضحايا ضعفنا أمامها. نشكو من الفساد، نرفع أصواتنا ضد الظلم، ونبحث عن العدالة، لكننا في الوقت نفسه نبحث عن “استثناء صغير” لأنفسنا. نطالب بالحقوق وندين المخالفات، و نغض الطرف عن الأخطاء التي ترتكب في صالحنا. نرفع شعارات الإصلاح، ثم نتراجع حين يمس التغيير مصالحنا الشخصية. هذا السلوك ليس مجرد تردد عابر، بل نمط متكرر يترجم إلى أزمة التزام داخلية تتوسع إلى أبعاد مجتمعية كبيرة.
عزيزي المصري المشكلة لا تكمن في الدولة وحدها، ولا في النصوص القانونية وحدها، بل في تلك المساحة الصامتة داخل كل واحد منا، حيث نعرف ما هو الصواب ونختار تأجيله، حيث نعرف حدود العدالة ونختار المساومة مع مصالحنا الشخصية. هذه المنطقة الصغيرة من النفس هي التي تحدد مسار المجتمعات، وتكشف الفرق بين مجتمع يطبق فيه القانون بادراك شديد ومجتمع يطبق فيه القانون تحت الضغط أو الخوف فقط.
في القرآن الكريم نجد سؤالا يضع هذه المسألة في صميم الحياة اليومية: “أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم؟” هذه الآية ليست مجرد نص ديني، بل مرآة فكرية تكشف الأزمة الحقيقية: ليست أزمة قوانين مكتوبة، بل أزمة التزام داخلي ووعي بالمسؤولية. فالإنسان يمكن أن يكتب القوانين خلال دقائق، لكن بناء الضمير يستغرق سنوات من ممارسه التدريب الروحي علي بناءه  والمساءلة الذاتية. والفرق بين مجتمع مستقر وآخر متاكل يظهر هنا، في مدى التزام أفراده بما يطالبون الآخرين بالالتزام به.
احذروا الأوطان لا تنهار فجأة، بل تتآكل بصمت، حين تصبح الأخطاء الصغيرة عادة، حين يتحول التبرير إلى ثقافة، وحين يصبح الاستثناء قاعدة متعارف عليها. هذه العملية البطيئة للصمت والتساهل هي ما يهدد الاستقرار أكثر من أي أزمة اقتصادية أو سياسية مفاجئة. ومن هنا تأتي أهمية الرسائل العابرة، تلك الكلمات أو القرارات الصغيرة التي نرسلها يوميا في العمل، في الأسرة، وفي المجتمع. فهي ليست مجرد تعبير عن أفكارنا، بل انعكاس لما نحمله من قيم، وقياس لمدى التزامنا الداخلي.
عزيزي القارئ كل إنسان يحمل داخله محكمة سرية، قاض لا ينام، وشاهد لا يكذب، وحكم لا يستأنف. حين نكذب، نعرف. حين نظلم، نشعر. حين نتهرب من مسؤوليتنا، يتصدع شيء صغير في الداخل. القانون المدني قد لا يراك، لكن روحك تراك. في الإنجيل جاء: “ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟” وفي التوراة: “الوصية قريبة منك، في فمك وقلبك لتعمل بها.” القوانين ليست سلاسل تقيدنا، بل جسور تنقذنا من أنفسنا. حين نلتزم من الداخل، نشعر بخفة، وحين نخالف ضميرنا، نحمل عبئا لا يرى لكنه يثقل الروح.
وعهدكم بي أؤمن أن مستقبل المجتمعات لن يحسم فقط في البرلمانات، بل في ضمائر المواطنين. القانون الذي ألتزم به شخصيا هو أن أكون مسؤولة قبل أن أكون مطالبة، وأن أمارس النقد على نفسي قبل توجيهه للآخرين. إذا أصلح كل منا دائرته الصغيرة، ستتسع دوائر الإصلاح تلقائيا. النهضة تبدأ من الداخل، وحين يعتدل الإنسان يعتدل الوطن.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة