تمر، اليوم، ذكرى ميلاد الأديب الصيني الكبير مو يان، إذ ولد في مثل هذا اليوم 17 فبراير عام 1955، ويعد أهم الأدباء الصينيين، وواحدًا من أبرز الكتاب المعروفين لدى القراء والمثقفين العرب، كما كان مو يان يقرأ الأدب العربي، وهو أول كاتب صيني يفوز بجائزة نوبل للآداب، وتُرجِمت أعماله إلى مختلف لغات العالم، من بينها العربية، وفى ضوء ذلك نستعرض مجموعة من أعماله المترجمة.
الصبي سارق الفجل
رواية الصبي سارق الفجل ترجمها إلى العربية حسانين فهمي حسين، وتنسج لنا هذه الرواية قصةَ صبيٍّ صيني كان ضحيةً لظروفٍ قاسية ومعقَّدة عاشها في كنَف أبيه وزوجته التي تولَّت تربيتَه بعد وفاة أمِّه، وعانى على يدَيها القهرَ والظلم، فاتَّخذ من الوَحدة مَلاذًا له، وعاش حياة يملؤها الإحباط والحزن والألم، متجوِّلًا طوالَ الوقت في الطُّرقات غيرَ مُبالٍ بأي شيء، وذاتَ يومٍ رأى حقلًا من الفجل وهو عائد من عمله، فقرَّر أن يقتطع بمطرقته الحديدية حزمةً من الفجل ليتأمَّل لونَها تحت أشعة الشمس، لكنه ظلَّ يقتطع حزمةً وراء أخرى حتى أصبح الحقل خاويًا! تُرى ما السبب الذي دفَعه إلى فِعل ذلك؟!
ظهَر رجل ذو وجهٍ وردي وتقدَّم حتى وقف خلف الشيخ الكبير، وقال فجأة: «يا عم شين، يا ترى الغيط بتاعك اتسرق إمبارح ولا لأه؟» فأجابه الشيخ الذي كان منشغلًا بما في يدَيه من الحبوب قائلًا: «أيوة اتسرقت، الحرامي سرق سِت فجلات وتَمن بطاطات، وساب لي وراه ورق الفجل وعروش البطاطا مرمية وسط الغيط».

الصبى سارق الفجل
الثور
رواية الثور من تقديم وترجمة محسن فرجاني، حيث يأخذنا الروائي الصيني «مو يان» في رحلة ساحرة إلى الريف الصيني في القرن العشرين بعد ثورة التحرير، وبالتحديد في أثناء حُكم الرئيس الصيني «ماو تسي تونج»؛ ليَرصد حياة الريفيِّين البائسة ومُعاناتَهم اليومية من خلال الطفل المشاغِب «روهان»، الذي يروي عمليةَ خَصْي الثيران في بلدته، وكيف تُمثِّل ضرورةً مُلحَّة من أجل الحد من نسلها؛ حفاظًا على الموارد الزراعية المُتاحة، لكنَّ الثور «شوانجين» يتعرَّض لنزيفٍ حادٍّ نتيجةَ عملية الخَصْي التي أُجرِيت له، فيُحاول الريفيون علاجَه وإنقاذه من الموت؛ وعندئذٍ نَلمِس الكثيرَ من المشاعر الإنسانية لدى القرويين وتعاطُفهم مع «شوانجين» وخوفهم عليه، وخاصةً العم «دو» الذي تمنَّى لو مات هو بدلًا من الثور.
«أخذ الطبيب يَرقب الثور شوانجين، بينما كان هذا يتطلَّع إليه شزْرًا بجانب عينه، فما كاد لاوتونج يقترب من ذيله حتى استدار بمؤخِّرته واستتر بالعم دو، فأسرع الرجل ودار به دورة كاملة ليكون في الصدارة، فلم يَلبث الثور أن لفَّ بجِرْمه هو الآخَر، وعاد مرةً ثانية ليحتمي بظَهر العم دو الذي تأفَّف مستنكِرًا: ياه! … هذا ليس ثورًا، بل عِفريت!».

الثور
الذرة الرفيعة الحمراء
الرواية من ترجمة حسانين فهمي حسين، في حقول الذُّرَة الرفيعة الحمراء وحولها في قرية «دونج بيي» تَدور أحداث هذه الرواية الخلَّابة المنتمية إلى تيار الواقعية السِّحرية؛ إذ تأخذنا في عالَم مليء بالغرائبية؛ فكما نَتعرَّف على العادات والتقاليد الريفية الصينية، نَتعرَّف أيضًا على عالم قُطاع الطُّرق والقواعد الخاصَّة التي تحكم المنتمين إليه، وعالَم الحَمَّالين البسطاء الذين يعملون في مجال حَمل توابيت الموتى وهَوادِج الأفراح، وعالَم مَقابر الأطفال الموتى الذي يُعَد أكثر هذه العناصر غرابةً للقارئ؛ إذ يعتقد الريفيُّون الصينيُّون أن الطفل الذي يموت دون الخامسة من عمره لا يمكن دفنه مثل باقي الموتى، وإنما يجب إلقاؤه في مكانٍ مكشوف لتأكله الكلاب الضالة! كما نعيش فيها وقائع العدوان الياباني على الصين خلال ثلاثينيات القرن العشرين، ومَشاهد تعذيب المعتدي الياباني لأبناء القرية. كل هذا وأكثر من خلال طفل يَتذكَّر ويحكي ما رُوِي له، مستندًا إلى وَعي بِهُوية الصين، يكاد يكون وعيًا أيديولوجيًّا.
«كانت أمي قد أخبرَتْني بأنها لا تعلم السبب الذي جعل من الذُّرَة الرفيعة الحمراء بريف دونغ بيي بمدينة قاو مي مادَّة خامًا رئيسية لنبيذ الذُّرَة ذي الرائحة العطرة الذكية والطعم اللذيذ الذي لا يصيب خلايا المخ بأدنى ضرر، كانت أمي دائمًا تُكرِّر على مسامعي: إن العائلة تتوارث هذه الوصفة الخاصة، وإنه غير مسموح بإفشاء سِرِّ هذه الوصفة إطلاقًا».

الذرة الرفيعة الحمراء
الحُلم والأوباش
الرواية من ترجمة محسن فرجاني، يرسمُ لنا الكاتبُ الصيني القدير «مو يان» في هذه الرواية لوحةً بديعة للحياة الريفية في الصين، ممزوجةً بالحكايات الشعبية هناك، لتكشفَ عن التحولات الاجتماعية والثقافية والفلسفية عبْر عقود من الزمن. تدور أحداثُ الرواية حول الصبي الريفي «شُوكن» المُلقَّب ﺑ «جذر الشجر»، الذي يمتلك قدرةً خارقة على رؤية أحلامٍ نبوئية تتحقق بدقةٍ مذهلة، وتجعل الواقع يبدو مشحونًا بالغموض. يصل إلى القرية المُبشِّر الأجنبي «مورويا»، ويؤسِّس فيها مدرسةً حديثة، فيصطدم طموحُ الحداثة لديه بالتقاليد الراسخة في حياة الأرياف. وتبلغُ الروايةُ ذروتَها التراجيديةَ حين يجد «شُوكن» حبيبته «شُويَا» غارقةً في النهر. ولا يفوتُ المترجمَ القديرَ الدكتور «محسن فرجاني» أن يُذيِّل ترجمتَه المميزة للرواية بقراءةٍ نقدية توضِّح السياقَ الأدبي والتاريخي للرواية، مُبْرزًا فيها انتماءَ «مويان» إلى تيَّار «أدب البحث عن الجذور»، ومُسلِّطًا الضوءَ على أسلوبه الفريد في الكتابة وفلسفته في الحياة.
«ورغم أني حلَمتُ بواقعة انكشاف المستور قبل حدوثها بيوم ونصف اليوم، فقد مضيتُ مع شُويَا في خطَّتنا حرفًا بحرف، كما تجلَّت لي في المنام؛ ذلك أننا سرقنا الشبكة التي كان يصطاد بها جدِّي القريدس، وجرَيْنا إلى شط النهر في موضع الصيد المعتاد».

الحُلم والأوباش