يكشف تتبّع أعمال عباس محمود العقاد أن مفهومه للحب لم يكن عابرًا أو عاطفيًا بالمعنى الرومانسي الشائع، بل جاء بوصفه تجربة إنسانية مركبة، تتداخل فيها النفس بالعقل، والاختيار بالقدر، والافتتان بالشك، وتظهر هذه الرؤية بوضوح في روايته "سارة"، التي تُعد النص الأقرب إلى صياغته الوجدانية والفكرية للحب، حيث لا يقدم علاقة مستقرة بقدر ما يقدّم اختبارًا داخليًا للوعي والغيرة والالتباس الإنساني.
ويبدو أن الحب عند العقاد يعري دواخل الإنسان، ويكشف التناقض بين ما نعلنه وما نُضمره، لذلك جاءت شخصياته في "سارة" متحركة على خط التوتر بين الانجذاب والارتياب، وبين الرغبة في الامتلاك والخوف من الفقد، وهي ثنائية تصنع لبّ التجربة العاطفية في تصوره.
ولا يقف هذا المفهوم عند "سارة" وحدها؛ ففي "هذه الشجرة" يوسع العقاد نظرته إلى العلاقة بين الرجل والمرأة من زاوية نفسية/طباعية، فيربط الحب بطبيعة التكوين الإنساني، وبأنماط الانفعال والتأثير المتبادل. ورغم ما أثارته أطروحاته هناك من جدل نقدي بسبب التعميم في بعض المواضع، فإنها تؤكد أن الحب في مشروع العقاد ليس "حدثًا عاطفيًا" بل موضوعًا للتحليل الفكري أيضًا.
ومن ثم، يمكن القول إن العقاد قدم للحب مفهومًا ثلاثي الأبعاد:
أولًا، هو تجربة شعورية عالية الكثافة.
ثانيًا، هو اختبار أخلاقي ونفسي يكشف معدن الإنسان.
ثالثًا، هو مسألة معرفة، لا تكتمل إلا بفهم الذات والآخر معًا.
هذا الفهم يفسر لماذا ظل حضوره في الأدب العربي الحديث مختلفًا، لأنه لم يكتب الحب بوصفه "حكاية وردية"، بل كتبه بوصفه "موقفًا إنسانيًا" يتقاطع فيه الفكر مع القلب.