دكتورة بوسى عبد العال تكتب: نعيش أونلاين وننهار أوفلاين.. حكاية شباب هذا الزمن

الإثنين، 16 فبراير 2026 02:59 م
دكتورة بوسى عبد العال تكتب: نعيش أونلاين وننهار أوفلاين.. حكاية شباب هذا الزمن دكتورة بوسى عبد العال

في صورة جماعية على مواقع التواصل الاجتماعي، يبدو كل شيء مثاليًا: ابتسامات، إنجازات مُعلنة، رحلات، وعبارات تحفيزية لا تنتهي. لكن خلف هذا المشهد اللامع، يعيش كثير من الشباب واقعًا مختلفًا تمامًا؛ واقعًا مليئًا بالضغط، والقلق، والإرهاق النفسي، ومحاولات مستمرة للتماسك. إنها مفارقة هذا الزمن: حضور رقمي مكثف، وانهيار صامت في الحياة الواقعية.

الشباب اليوم لا يفتقرون إلى الطموح، بل ربما يمتلكونه أكثر من أي وقت مضى. لكنهم يعيشون في عالم لا يمنحهم مساحة للخطأ أو التمهّل. المقارنة الدائمة على المنصات الرقمية، وضغط النجاح السريع، وتضخيم إنجازات الآخرين، كلها عوامل تخلق شعورًا مستمرًا بعدم الكفاية. فكل تأخير يُفسَّر فشلًا، وكل صمت يُعدّ تراجعًا، وكل اختلاف يُقابل بالنقد.

وسائل التواصل الاجتماعي، التي كان يُفترض أن تكون مساحة للتعبير والتواصل، تحوّلت لدى كثير من الشباب إلى مصدر استنزاف نفسي. فالسعي الدائم للظهور بصورة مثالية، وملاحقة الإعجابات، والخوف من الخروج من دائرة الاهتمام، كلها ضغوط غير معلنة، لكنها حاضرة بقوة في تفاصيل الحياة اليومية. ومع الوقت، يبدأ الشاب في فقدان الاتصال بذاته، وهو يحاول مجاراة صورة لا تشبه حقيقته.

الأخطر أن هذا الإرهاق غالبًا ما يُقابل بالاستخفاف. فالشباب يُطالبون بالصبر، والتحمّل، والسعي المستمر، دون الاعتراف بثقل الأعباء النفسية التي يحملونها. كثيرون لا يشتكون، لا لأنهم بخير، بل لأنهم اعتادوا أن يُقال لهم إن ما يشعرون به “مبالغة” أو “مرحلة وستمر”. وهكذا، تتراكم الضغوط في صمت، إلى أن تظهر في صورة قلق دائم، أو انسحاب اجتماعي، أو فقدان الشغف.

كما تلعب الأوضاع الاقتصادية وعدم وضوح المسارات المهنية دورًا محوريًا في تعميق الأزمة. فالشاب يجد نفسه مطالبًا بالنجاح في عالم سريع التغيّر، دون أدوات كافية، أو ضمانات حقيقية. وبين السعي لتأمين المستقبل، ومحاولة الحفاظ على التوازن النفسي، يقف كثيرون في منطقة رمادية، لا هي فشل واضح ولا نجاح مُرضٍ.

هذه الحالة لا يمكن التعامل معها باعتبارها ضعفًا فرديًا، بل هي أزمة جيل تتطلب وعيًا مجتمعيًا حقيقيًا. فالدعم النفسي، وفتح مساحات آمنة للحوار، وتغيير الخطاب الذي يربط القيمة الإنسانية بالإنجاز فقط، أصبحت ضرورات لا رفاهيات. كما أن للإعلام دورًا أساسيًا في تسليط الضوء على هذه الضغوط، لا لتكريس الإحباط، بل لخلق فهم أعمق وأكثر إنصافًا.

نعم، نعيش أونلاين بكثافة، لكن ما يحتاجه شباب هذا الزمن حقًا هو أن يُفهَموا أوفلاين. أن يُنظر إلى ما وراء الصور، وما خلف الشاشات، حيث تدور معركة يومية غير مرئية، عنوانها الصمود في عالم لا يهدأ.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة