دكتورة أسماء نوير تكتب: الحضور الاستراتيجى للذكاء الاصطناعي فى دافوس 2026

الإثنين، 16 فبراير 2026 11:38 ص
دكتورة أسماء نوير تكتب: الحضور الاستراتيجى للذكاء الاصطناعي فى دافوس 2026 أسماء نوير

أسهمت منصة دافوس، ضمن أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي، في تعزيز الرسالة القائلة إن الاستراتيجية في الذكاء الاصطناعي لا تُصاغ حول الكفاءة والنمو فحسب، بل ترتكز كذلك على مبادئ الشمول، والحوكمة الرشيدة، والاستعداد المؤسسي. وبذلك، وضع التقرير الهند في موضع مرجعية عالمية محتملة لكيفية تمكين الاقتصادات الناشئة من نشر تقنيات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، مع إدماجها في الأنظمة العامة والنشاط الاقتصادي اليومي.

أولًا: المبررات الاقتصادية للتنمية القائمة على الذكاء الاصطناعي

ترتكز تقديرات شركة برايس ووترهاوس كوبرز PwC على نمذجة قطاعية متخصصة تربط اعتماد الذكاء الاصطناعي بمكاسب الإنتاجية، وخفض التكاليف، وتحسين جودة تقديم الخدمات، ولا تتركز المساهمة المقدرةوالبالغة 550 مليار دولارفي قطاع واحد، بل تتوزع على قطاعات تؤثر مباشرة في سُبل العيش والنتائج الاجتماعية.

فالزراعة يُتوقع أن تستفيد من الإرشادات الزراعية المعتمدة على البيانات وتقليص الفاقد. كما يمكن للأنظمة التعليمية توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين الحوكمة ومخرجات التعلم. وتستطيع شبكات الطاقة استخدام الأنظمة الذكية لرفع الكفاءة وتقليل الفاقد. أما قطاع الرعاية الصحية فيمكنه تسريع عمليات الكشف عن الأمراض ومراقبتها، في حين يعزز التصنيع مراقبة الجودة وتحسين العمليات الإنتاجية.

ومن خلال وضع هذه القطاعات في صلب التحليل، أعاد التقرير تأطير الذكاء الاصطناعي بوصفه مُضاعِفًا لأولويات التنمية القائمة، لا مبادرة رقمية منفصلة. كما أبرز التركيز على القيمة الاسمية الحجم الذي يمكن أن يبلغه اندماج الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الحقيقي للهند خلال العقد المقبل.

ثانيًا: إطار 3A2I: نموذج حوكمي–تنموي لتكامل الذكاء الاصطناعي على المستوى الوطني

يعتمد تقرير «الريادة في الذكاء الاصطناعي من أجل الهند المتقدمة» «AI Edge for Viksit Bharat» على إطار 3A2I الذي طورته شركة برايس ووترهاوس كوبرز (PwC) بوصفه نهجًا وطنيًا منظوميًا لنشر الذكاء الاصطناعي.

ويقدم هذا الإطار خارطة طريق شاملة تتجاوز التركيز على الجوانب التقنية، ليعالج الذكاء الاصطناعي بوصفه منظومة مترابطة تشمل توافر البيانات والبنية التحتية الرقمية، وبناء الثقة والقبول المجتمعي، ودمج التطبيقات في العمليات اليومية، وصولًا إلى التنفيذ على نطاق واسع وترسيخه ضمن الهياكل المؤسسية لضمان استدامة تأثيره على التنمية الوطنية.

وعوضًا عن التركيز الضيق على الخوارزميات أو المنصات، يتعامل الإطار مع الذكاء الاصطناعي بوصفه «جهازًا عصبيًا مركزيًا» مترابطًا للتنمية.
يركّز الركن الأول، «الإتاحة» (Access)، على ضمان توافر البيانات، والبنية التحتية الرقمية، والكفاءات البشرية الماهرة، انطلاقًا من إدراك أن فعالية أنظمة الذكاء الاصطناعي رهينة بالبيئات التي تعمل ضمنها.


أما الركن الثاني، «القبول» (Acceptance)، فيؤكد على الثقة، والشفافية، والضمانات الأخلاقية، إدراكًا لأهمية الثقة العامة في تحقيق تبنٍّ واسع النطاق.
ويركّز الركن الثالث، «الاستيعاب» (Assimilation)، على دمج الذكاء الاصطناعي في مسارات العمل الفعلية، بما يضمن انتقال الأنظمة من مرحلة التجارب المحدودة إلى الاستخدام الروتيني.
وعقب ترسيخ هذه الأسس، يتجه الإطار نحو «التنفيذ واسع النطاق» و«المأسسة طويلة الأمد»، مع التركيز على هياكل الحوكمة، ومواءمة السياسات، وآليات التعلم المستمر التي تتيح لأنظمة الذكاء الاصطناعي التطور بالتوازي مع احتياجات المجتمع.
ويعكس تصميم الإطار قصد واضح لإدماج الذكاء الاصطناعي في صلب المؤسسات، لا التعامل معه بوصفه ترقية تقنية عابرة.

ثالثًا: رؤى قيادية من دافوس


أثناء حفل الإطلاق، وصف سانجيف كريشان Sanjeev Krishan، رئيس مجلس إدارة شركة برايس ووترهاوس كوبرز PwC في الهند، الذكاء الاصطناعي بأنه قوة لبناء الأمة، لا مجرد قفزة تكنولوجية. وأكد أن الذكاء الاصطناعي يتيح للهند إعادة تصور النمو بما يتجاوز المقاييس التقليدية للناتج المحلي الإجمالي، عبر مواءمة الابتكار مع منظور تنموي يضع الإنسان في الصدارة.
وقد شددت كلماته على الأطروحة المركزية للتقرير، ومفادها أن الاستثمار في البنية التحتية، ورأس المال البشري، وأطر الحوكمة، يمكن أن يتيح تقدم الابتكار والتنمية العادلة على نحو متزامن.
كما كُشف عن التقرير بحضور رئيس وزراء ولاية ماهاراشترا Maharashtra، ديفيندرا فادنافيس Devendra Fadnavis، الذي عرض رؤية عملية لكيفية إدماج الذكاء الاصطناعي بالفعل في منظومات الحوكمة. وأشار إلى تطبيقات قائمة على الذكاء الاصطناعي موجّهة للمزارعين، ومتاحة باللغة الماراثية، تُستخدم لفهم دورات المحاصيل وتوجيه استخدام المبيدات. كما أشار إلى منصات مدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل «MAITRI» لتسهيل الاستثمارات الصناعية، حيث تعزز الأتمتة والعمليات القائمة على البيانات سهولة ممارسة الأعمال.
وقد جسّدت هذه الأمثلة كيفية ترجمة الأطر المفاهيمية التي نوقشت في دافوس إلى أدوات تشغيلية على مستوى الولايات.

خامسًا: توسيع أفق النقاش العالمي حول نتائج الذكاء الاصطناعي

تميّز التقرير بمحاولة توسيع نطاق النقاش العالمي بشأن مخرجات الذكاء الاصطناعي. ومن خلال إطار الريادة في الذكاء الاصطناعي AI Edge، حدّدت شركة برايس ووترهاوس كوبرز (PwC) خمسة نتائج ملموسة ينبغي أن تتوقعها الهند من نشر الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع:
التميز التشغيلي (Operational Excellence)
الاستدامة (Sustainability)
الحوكمة الرشيدة (Good Governance)
المرونة (Resilience)
الانضباط المالي (Financial Discipline)
وبذلك، انتقل النقاش من التركيز على مقاييس الكفاءة الضيقة إلى منظور أوسع يشمل الشفافية، والإدارة البيئية الرشيدة، وموثوقية الأنظمة، وخلق قيمة شاملة ومستدامة. كما ربط التقرير بين نتائج الذكاء الاصطناعي والمساءلة العامة، متماشيًا مع توجهات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، التي تؤكد على الابتكار المسؤول والأثر المجتمعي طويل الأمد.

سادسًا: موقع الهند في المشهد العالمي للذكاء الاصطناعي

أبرز المتحدثون أن مسار الهند في الذكاء الاصطناعي لا يُؤطر بوصفه محاولة للحاق بالاقتصادات المتقدمة، بل فرصة لإرساء معيار مغاير. فمن خلال مواءمة التكنولوجيا مع أهداف التنمية البشرية، تُظهر المقاربة الهندية كيف يمكن للاقتصادات الناشئة توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة مع معالجة احتياجاتها الهيكلية.


وفي هذا السياق، أشار رجل الأعمال والمستثمر نيخيل كاماث Nikhil Kamath إلى التحسن في استقرار السياسات والاتجاه العام للإصلاحات الاقتصادية، مؤكدًا أن هذا الاستقرار ضروري لاستثمارات طويلة الأجل في الذكاء الاصطناعي تتطلب دعمًا تنظيميًا ومؤسسيًا متسقًا. كما شدد الإطلاق في دافوس على أهمية التعاون بين الحكومة، والصناعة، والأوساط الأكاديمية، والمجتمع المدني، معتبرًا الذكاء الاصطناعي تحوّلًا على مستوى المنظومة بأكملها، لا اضطرابًا قطاعيًا محدودًا. وقد عُدَّ التعلم المستمر، والحوكمة التكيفية، وتقاسم المسؤولية عناصر جوهرية في مسار الهند نحو الذكاء الاصطناعي.
ومع تقدم الهند نحو رؤيتها لـ«الهند المتقدمة» (Viksit Bharat)، قدّم تقرير «الريادة في الذكاء الاصطناعي من أجل الهند المتقدمة» «AI Edge for Viksit Bharat» اللحظة الراهنة بوصفها نقطة انعطاف حاسمة. فبفضل الأطر المنهجية الواضحة، والتجارب التطبيقية القابلة للتوسع، ومواءمة السياسات، خلص التقرير إلى أن الهند في موقع ملائم لتشكيل منظومة ذكاء اصطناعي تتسم بالتوسع المسؤول والشمول المستدام.

وفي ضوء ما تقدّم، يمكن القول إن التجربة الهندية في توظيف الذكاء الاصطناعي، كما تجلّت في سياق المنتدى الاقتصادي العالمي، تمثّل نموذجًا ناشئًا لإعادة تعريف العلاقة بين الابتكار التكنولوجي والتنمية الشاملة. إذ تشير المعطيات التحليلية والتجارب التطبيقية إلى أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في الهند مرشّح لأن يتجاوز منطق التحديث التقني إلى أفق أوسع قوامه بناء مؤسسات ذكية، واقتصاد مرن، ونظم حوكمة قادرة على التكيّف المستدام.

ومن ثمّ، فإن المرحلة المقبلة ستتطلب تعميق الاستثمار في رأس المال البشري، وترسيخ الأطر التنظيمية، وتعزيز التكامل بين القطاعات، بما يضمن توجيه التحول الرقمي نحو خدمة الصالح العام. وعليه، تبدو رؤية «الهند المتقدمة» مرهونة بقدرتها على تحويل الذكاء الاصطناعي من أداة للنمو الكمي إلى رافعة للتحول النوعي، تسهم في إعادة صياغة أنماط التنمية، وتكريس نموذج عالمي يقوم على الابتكار المسؤول، والعدالة الاجتماعية، والاستدامة طويلة الأمد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة