هل جربت يوماً أن تخوض معركة صامتة مع رغباتك، فتنظر إلى ما فاتك وتقول بملء فيك: "هذا ليس من حقي، وهذا لم يكن يوماً رزقي"؟
في عالم يضج بسباقات الاستعراض الرقمي، وتتسابق فيه العيون على ما في أيدي الآخرين، تبرز القناعة لا كزهد في الحياة، بل كأعلى درجات الذكاء النفسي، إنها تلك اللحظة الفارقة التي تقرر فيها أن تتوقف عن مطاردة "سراب" تظنه نصيبك، لتدرك أن ما لم يصل إليك، لم يكن في الأصل مكتوباً على اسمك.
المنطق البشري المعتاد يميل دائماً لجلد الذات عند الخسارة، لكن المنطق "الراضى" يرى في الفوات وقاية، وفي الحرمان صيانة.
هل تأملت يوماً في تلك الأشياء التي حاربت لأجلها ثم غادرتك؟ ربما لو بقيت لكانت عبئاً لا تقوى على حمله.
نظن أننا "نفقد" الأشياء، والحقيقة أننا "نتحرر" مما لا يناسبنا، إنها لعبة الاحتمالات التي يحسمها الإيمان بأن الأرزاق لا تؤخذ غصباً، ولا تضيع سهواً.
حين تنظر إلى يد غيرك، فأنت لا تسرق منه شيئاً، لكنك تسرق من نفسك طمأنينتها، فالقناعة ليست مجرد كلمة تقال في الشدائد، بل هي حالة "سلام دائم" تنبع من التصالح مع فكرة أن النصيب غلاف محكم لا ينفتح إلا لصاحبه.
هل شعرت يوماً ببرد السكينة حين ترفع راية الاستسلام للقدر؟ ذلك ليس انكساراً، بل هو انتصار للداخل على الخارج.
جرب أن تعيد قراءة ماضيك بمنطق "الرزق الموجه"، تلك الوظيفة التي أفلتت، وذلك القطار الذي فات، وتلك الفرصة التي تبخرت؛ لم تكن محطات فاشلة، بل كانت طرقاً لم تكن ممهدة لخطواتك.
حين تقتنع بهذا، ستجد أن قلبك أصبح مكاناً أكثر اتساعاً، وأقل ازدحاماً بالحسرة، فالرضا هو العملة الصعبة التي لا تخضع لتقلبات السوق، بل تزيد قيمتها كلما آمنت أن ما لك سيأتيك على ضعفك، وما ليس لك لن تناله بقوتك.
فكر بهذا المنطق لمرة واحدة، وعش تجربة أن تكون "ملكاً" بما تملك، لا "عبداً" لما تفتقد، جرب أن تفرغ حقيبتك من أثقال المقارنات، وستكتشف أن خفة الروح هي أعظم رزق يمكن أن تحوزه في رحلتك القصيرة نحو الغد.