لم يعد الحديث عن التنمية المحلية ممكنًا بمعزل عن البيئة فالتغيرات المناخية وتزايد الضغط على الموارد الطبيعية وتنامي المشكلات المرتبطة بالتلوث وتدهور الأراضي كلها عوامل دفعت إلى إعادة التفكير في مفهوم التنمية ذاته. لم تعد التنمية مجرد توسع عمراني أو زيادة في الدخل المحلي بل أصبحت عملية معقدة تتطلب موازنة دقيقة بين متطلبات النمو الاقتصادي وضرورات الحفاظ على النظام البيئي.
التنمية المحلية تنطلق من خصوصية المكان من موارده وطبيعته وخصائص سكانه، وهذه الخصوصية هي ما يجعل البعد البيئي عنصرًا حاسمًا فيها. فكل مجتمع محلي يرتبط ببيئة محددة تمنحه فرصًا اقتصادية وتفرض عليه في الوقت نفسه حدودًا بيئية لا يمكن تجاوزها دون ثمن. تجاهل هذه الحدود يؤدي غالبًا إلى اختلالات طويلة الأمد تظهر في صورة تراجع الإنتاجية وضعف جودة الحياة وارتفاع تكاليف المعالجة البيئية.
الاستراتيجيات الحديثة في التنمية المحلية لم تعد تعتمد على إستنزاف الموارد لتحقيق نمو سريع بل تتجه نحو تعظيم القيمة المضافة مع تقليل الأثر البيئي. هذا التحول يعكس وعيًا متزايدًا بأن الموارد الطبيعية ليست مخزونًا لا ينضب بل رأسمال ينبغي الحفاظ عليه. ومن هنا تبرز أهمية الإدارة المحلية الكفؤة لأن نجاح أي رؤية تنموية يرتبط بقدرة الجهاز التنفيذي على تحويلها إلى واقع ملموس.
في هذا السياق، يُعد توحيد ملفى التنمية المحلية والبيئة تحت مظلة واحدة خطوة تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة العلاقة التكاملية بين المجالين. فوجود رؤية موحدة يقلل من تضارب السياسات ويعزز التنسيق بين التخطيط العمراني وإدارة الموارد البيئية . كما أن قيادة هذه المسيرة بشخصية تمتلك خبرة تنفيذية واضحة مثل الدكتورة منال عوض أعطى دفعة قوية لملف المحليات حيث شهدت منظومة العمل المحلي تطويرًا ملحوظًا في آليات الأداء ورفع كفاءة الخدمات والإهتمام ببناء قدرات العاملين.
ومن أبرز النجاحات التى تعكس هذا التوجه الاهتمام بتأهيل العنصر البشري باعتباره الركيزة الأساسية لأى إصلاح إداري حقيقي ويأتي في مقدمة هذه الجهود الدور الذي يقوم به مركز التنمية المحلية للتدريب بسقارة الذى أصبح منصة حيوية لإعداد كوادر قادرة على مواكبة التطور المتسارع في الإدارة المحلية فالمركز لا يقتصر دوره على تقديم دورات تدريبية تقليدية بل يعمل على بناء منظومة متكاملة لتطوير المهارات القيادية والفنية بما يضمن تخريج قيادات محلية تمتلك أدوات الإدارة الحديثة وقادرة على التعامل مع المواطنين بكفاءة وإقتدار.
وقد لعبت قيادات مركز سقارة دورًا محوريًا في تحديث البرامج التدريبية وربطها بإحتياجات الواقع مع التركيز على مفاهيم الحوكمة الرشيدة والتحول الرقمي وتحسين جودة الخدمات . هذا الجهد المتواصل في تطوير الكفاءات يعكس إدراكًا بأن التنمية المحلية لا تُدار بالقرارات فقط بل بالعقول المؤهلة التي تنفذها على الأرض.
العلاقة بين التنمية والبيئة ليست علاقة تعارض بل علاقة إعتماد متبادل. البيئة الصحية تعني إقتصادًا أكثر إستقرارًا ومجتمعًا أقل عرضة للمخاطر في حين أن الإدارة المحلية القوية الرشيدة توفر الإطار التنفيذي القادر على حماية الموارد وتوجيه الإستثمار بشكل رشيد. الإشكالية لا تكمن في السعي إلى النمو بل في كيفية تحقيقه بصورة مسؤولة ومتوازنة.
نجاح أي إستراتيجية تنموية محلية يرتبط بقدرتها على إشراك المجتمع في صياغة الرؤية المستقبلية. فالتنمية التي لا تراعي وعي السكان وسلوكهم اليومي تظل ناقصة. وعندما تتكامل الرؤية المؤسسية مع بناء كوادر بشرية مؤهلة وإدارة واعية يصبح بالإمكان تأسيس نموذج تنموي يحترم البيئة ويعزز الاقتصاد فى آن واحد.
فى النهاية تمثل إستراتيجيات التنمية المحلية المساحة الحقيقية التي تتجسد فيها فكرة الاستدامة. وعندما تتوافر الإرادة السياسية والإدارة الكفؤة والاستثمار في العنصر البشري تتحول التنمية من شعارات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية وتصبح البيئة شريكًا أساسيًا في بناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة فى وطننا.