جمال عبد الناصر يكتب : زكي رستم..عبقرية التقمص وصرامة الأداء

الأحد، 15 فبراير 2026 08:00 ص
جمال عبد الناصر يكتب : زكي رستم..عبقرية التقمص وصرامة الأداء الفنان الكبير زكي رستم

كتب : جمال عبد الناصر

في ذكرى رحيل زكي رستم، لا نستدعي مجرد اسم من أسماء الزمن الجميل، بل نستحضر مدرسة كاملة في فن التمثيل؛ مدرسة تقوم على الصمت بقدر ما تقوم على الكلام، وعلى النظرة بقدر ما تقوم على الجملة الحوارية، فقد كان حضوره يشبه جدارًا صلبًا في الكادر، لكنه جدارٌ نابض بالحياة، مشحون بتيار داخلي لا يهدأ، ولم يكن يؤدي الدور، بل كان يذوب فيه حتى يختفي الممثل ويبقى الإنسان.

ومن منظور نقدي، يمكن القول إن زكي رستم كان من أوائل من أسسوا لما يمكن تسميته بـ«التمثيل الداخلي» في السينما المصرية، إذ أنه لم يعتمد على المبالغة أو الإيماءة الزائدة، بل كان يميل إلى الاقتصاد الحركي، حيث تصبح الحركة القليلة ذات دلالة مكثفة، وكان يشتغل على البنية النفسية للشخصية قبل اشتغاله على شكلها الخارجي؛ فيصنع تاريخًا خفيًا لها، وسيرةً غير مكتوبة تظهر في طريقة جلوسه، وفي نبرة صوته الثقيلة، وفي بطء التفاته.

هذا الاشتغال الداخلي يقترب – وإن لم يُعلن ذلك – من منهج المعايشة الذي يجعل الممثل يعيد تشكيل خبرته الشعورية كي تتطابق مع انفعالات الشخصية، ولذلك بدت شخصياته دائمًا «مقنعة» لا لأنها تشبه الواقع فحسب، بل لأنها تبدو وكأنها خرجت من عمق تجربة إنسانية حقيقية.

زكي رستم في ذكري رحيله
زكي رستم في ذكري رحيله

امتلك زكي رستم صوتًا جهوريًا مميزًا، لكنه لم يتعامل معه كوسيلة استعراض، بل كأداة درامية لبناء السلطة أو كشف الهشاشة، وفي أدوار الباشا أو الرجل المتسلط، كان صوته ينزل كحكمٍ نهائي، حاسم الإيقاع، قليل التردد، أما حين يؤدي شخصية مأزومة أو مكسورة، كان يخفّض طبقته، ويُدخل في النبرة ارتعاشة خفية، كأن الصلابة تتشقق من الداخل.

إن التحكم في الإيقاع الصوتي لديه كان جزءًا من هندسة الأداء؛ فالجملة لا تُقال دفعة واحدة، بل تُبنى تدريجيًا، تتصاعد ثم تستقر، بما يمنح المشهد توترًا محسوبًا.

جسد زكي رستم لم يكن جسدًا مرنًا بالمعنى الاستعراضي، بل كان جسدًا «مؤطرًا»؛ كتفان عريضان، وقفة مستقيمة، حركة محدودة، ولكن هذا التحديد الجسدي تحوّل إلى قيمة جمالية، إذ خلق تناقضًا بين الصلابة الخارجية والانفعال الداخلي، وكثيرًا ما كان يترك للعينين مهمة التعبير، فتفضحان ما يحاول الجسد كتمانه.
وهنا تتجلى عبقريته : كان يعرف متى ينفجر ومتى يصمت، فالانفعال لديه ليس ذروة دائمة، بل لحظة محسوبة تأتي بعد تراكم، لذلك تبدو صرخته – إن صرخ – نتيجة حتمية لمسار درامي، لا مجرد تأثير عابر.

غالبًا ما أُسندت إليه أدوار الرجل الأرستقراطي أو الأب الصارم أو الشخصية ذات الهيبة غير أن القراءة النقدية تكشف أنه لم يقع أسير النمط؛ بل كان يُدخل فروقًا دقيقة بين شخصية وأخرى، وقد يتشابه القالب الخارجي، لكن البناء النفسي مختلف: هنا طاغية يخفي خوفه، وهناك أب قاسٍ تحركه عقدة فقدان، وثالث يتشبث بالسلطة لأنه عاجز عن الحب.
بهذا المعنى، كان زكي رستم يشتغل داخل حدود الصناعة، لكنه يوسّعها من الداخل، ويمنح الشخصية طبقات تتجاوز سطحها المكتوب.

وفي ذكرى رحيله، يبقى السؤال: لماذا لا يبهت حضوره مع الزمن؟ لأن أداءه لم يكن مرتبطًا بزمنه فقط، بل بفكرة أعمق عن الإنسان وصراعاته، ولم يكن ممثلًا يؤدي أدوارًا، بل فنانًا يصوغ ملامح السلطة، والخوف، والغيرة، والندم، بوعي درامي صارم.
لقد كان زكي رستم أحد أولئك الذين جعلوا من التمثيل فعلَ صدقٍ لا ادعاء فيه، ومعايشة لا محاكاة، وحين نعود اليوم إلى مشاهده، لا نشاهد تاريخًا أبيض وأسود، بل نرى ممثلًا ما زال حيًا في أدائه، كأنه يقف أمام الكاميرا الآن، يعيد تعريف معنى أن «تتقمص» الدور حتى يصبح هو أنت… وتصبح أنت هو.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة