على الرغم من قضية أبستين ثارت على السطح منذ عدة سنوات، إلا أنها بلغت ذروة الجدل في الآونة الأخيرة، مع ظهور التسريبات المرتبطة بالوقائع الدقيقة التي حدثت على أرض تلك الجزيرة، حيث كانت التفاصيل محلا للنقاش سواء على المستوى الإعلامي أو الفردي، حتى أنها أثارت انتباه رجل الشارع العادي، ربما لكونها تمثل سلسلة من "الفضائح" الأخلاقية، وهو ما يستهويه الشارع، ليس فقط في مجتمعاتنا الشرقية، وإنما في واقع الأمر ممتدة إلى مختلف مناطق العالم، وهو ما يرجع في جزء منه لطبيعة الإنسان الذي يميل إلى معرفة التفاصيل الخفية في حياة الشخصيات العامة، خاصة وإن ارتبطت بمناحي أخلاقية، أو حتى في ضوء ما كشفته الوثائق من فجوة واسعة بين المبادئ التي طالما نادى بها قطاع كبير مما وردت أسمائهم وصورهم فيها، من جانب، وما قد يكونوا تورطوا به إذا ثبتت صحة الادعاءات عليهم، من جانب آخر.
إلا أن ثمة تساؤل يبدو متواريا خلف كواليس الصدمة التي أصابت المتابعين للتسريبات، يدور حول الكيفية التي تدار بها الفضائح، داخل معاقل القوى الدولية الكبرى، أو بالأحرى ما إذا كانت "الفضيحة" التي ترتبط بالسياسة والسلطة فرصة يمكن استثمارها، أم أنها نقمة، وهو ما لا يتعلق فقط بالأثر الأخلاقي، بل بمدى قدرة النظام السياسي على تحويل الصدمة إلى أداة لإعادة إنتاج شرعيته، داخليا وخارجيا وهو ما لا يمكننا إدراكة بالنظر إلى ملف أبستين بمفرده، خاصة وأن الكيفية التي سيدار بها والتبعات المترتبة عليه مازالت غامضة، بينما يبقى توقيته في غاية الحساسية، في ظل تزامنه مع استقطاب حاد في الداخل الأمريكي مع حالة سيولة دولية عارمة، دفعت إلى صراعات كبيرة متفرقة، ذات طابع شمولي، بين الشرق الأوسط وأوروبا الغربية، مرورا ببعض المناطق في آسيا، وحتى أمريكا اللاتينية.
والواقع أن الفضائح ليست بجديدة إطلاقا على السياسة الأمريكية، فقد ارتبطت بالعديد من مراحل المخاض، بدءً من فضيحة "ووترجيت"، والتي تورط فيها الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون إبان الانتخابات الأمريكية عام 1972، مما دفعه إلى الاستقالة، وهي فضيحة سياسية بالمقام الأول، لم تخلو من جانب أخلاقي ثم فضيحة البيت الأبيض، خلال عهد بيل كلينتون، والتي تمثل صورة معاكسة للأولى، فهي أخلاقية أضفى عليها المنصب الرفيع بعدا سياسيا، وكلاهما ارتبطا بظروف دولية مختلفة، ساهمت بقدر ما في التأثير على المشهد العالمي بصورة أو بأخرى.
فلو نظرنا إلى "ووترجيت" نجد أنها جاءت في قلب الحرب الباردة، وبعد مأساة واشنطن في فيتنام، فكانت الفضيحة السياسية بمثابة طوق نجاة، للقيادة الأمريكية، عبر تعزيز رؤيتها القائمة في الأساس على المبادئ التي أرستها خلال الأربعينات من القرن الماضي، لتكون منطلقا لقيادتها للمعسكر الغربي، وعلى رأسها الديمقراطية وسيادة القانون، وهو ما حول فضيحة التلاعب بالأصوات في الانتخابات الأمريكية، إلى فرصة لتعزيز صورتها، حتى وإن كان ذلك على حساب رأس النظام، الذي ذهب مضطرا إلى الاستقالة من منصبه، ليحل نائبه بدلا منه على مقعد الرئيس في البيت الأبيض، في سابقة مهمة في التاريخ الأمريكي، بينما كانت حادثة كلينتون في لحظة استقطاب داخلي، بعدما نجحت الولايات المتحدة في فرض هيمنتها الدولية، في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، ليصبح الانتصار هنا للقدرة على الفصل بين السلوك الشخصي للمسؤول حتى وإن كان بدرجة رئيس عن إدارة الدولة، وهو انتصار للمؤسسة والقواعد المتبعة في تداول السلطة، في ذروة الأحادية.
الفضيحة في الحالتين سالفتي الذكر، كانت فرصة لاستعادة التوازن المفقود بين التراجع جراء الخسائر الكبيرة في فيتنام، في حالة "وترجيت"، ونشوة الانتصار الكبير في أعقاب الحرب الباردة، في حالة كلينتون، وهو ما يعكس نجاحا كبيرا في إدارتهما، إلى الحد الذي دفع إلى ترسيخ صورة النظام الأمريكي كقادر على تصحيح نفسه، وهو ما حد من آثار التراجع الخارجي، وأعاد تثبيت موقعه القيادي، سواء فيما يتعلق بمواصلة القيادة للمعسكر الغربي (بعد وترجيت)، أو بقدرتها على قيادة العالم بمفردها (في أعقاب حالة كلينتون)، وهو ما يعني استثمارا أدى إلى مكاسب سياسية، أو بالأحرى تحويل الخسائر اللحظية إلى انتصارات ذات نطاق زمني أطول.
والحديث عما يمكننا تسميته بـ"الاستثمار في الفضائح"، لا يعني أننا أمام نظرية مؤامرة، فالنظام الديمقراطي لا يخلق الأزمات عمدًا، لكنه قد يحسن توظيف نتائجها إذا امتلك مؤسسات قادرة على امتصاص الصدمة، حيث تبقى الفضيحة في ذاتها ليست وسيلة نجاة، وإنما إدارتها الجيدة هو الطريق لتحقيق التوازن، الذي يمثل السبيل الوحيد لإنقاذ الشرعية سواء في الداخل، أو ما يتعلق بالقيادة الدولية.
ولعل فضيحة "إبستين"، تختلف جذريا عن حالتي "ووتر جيت" وكلينتون، في ضوء تزامنها مع استقطاب حاد، وغير مسبوق في الداخل، بين الحزبين الرئيسيين، مع تصاعد كبير للتيار الشعبوي، وظروف اقتصادية ثقيلة بدرجة غير مسبوقة، من جانب، بالإضافة إلى سيولة دولية مع لحظة انقسام داخل التحالف الغربي، تتزامن مع تراجع الثقة بدرجة كبيرة في الولايات المتحدة، باعتبارها القوى القادرة بمفردها على قيادة العالم، خاصة مع صعود قوى أخرى قادرة على المشاركة بفاعلية على صياغة القرار العالمي، وعلى رأسها الصين وروسيا، ناهيك عن تصاعد الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى الإقليمية في إدارة أزماتها، والتي كانت أحد المنطلقات أمام واشنطن لتقديم نفسها باعتبارها القيادة الشرعية للعالم.
فضيحة "إبستين" تمثل امتدادا لظروف مشابهة شهدتها واشنطن في مراحل انتقالية، ولكن ترتبط استثنائيتها بكونها تأتي في لحظة مفصلية في الداخل والخارج، ففي السبعينات والتسعينات كانت الثقة أكبر في الحالة المؤسسية في الداخل الأمريكي، والانقسام لم يطال الشارع، واقتصر داخل أروقة السياسة، بينما كان الوضع الدولي لواشنطن أكثر استقرارا في ضوء الدعم الذي حظت به من الحلفاء، وهو ما يثير التساؤل حول ما إذا كانت أمريكا قادرة على تحويل المحنة إلى منحة مجددا، عبر استثمار الفضيحة الجديدة، في تحقيق مكاسب تعزز مكانتها، أم أن السوابق الناجحة كانت بفضل الدعم الذي حظت به من قبل حلفائها ولم تأتي فقط من قدرة ذاتية على تجاوز اللحظات الحرجة التي واجهتها.
وهنا يمكننا القول بأن اختبار إبستين لا يتوقف عند حدود كشف شبكة أو محاسبة أفراد، بل يمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على السردية التي بنت عليها قيادتها لعقود، وهي سردية النظام القادر على تصحيح نفسه مهما بلغت حدة الانكشاف، خاصة مع تراجع الإجماع داخل المعسكر الغربي، حيث لم تعد إدارة الفضيحة شأنا داخليا خالصا، بل أصبحت جزءا من معركة أوسع حول الشرعية والقيادة والنموذج، وبالتالي فإن نجاح واشنطن في تحويل الصدمة إلى دليل جديد على متانة مؤسساتها، فإنها تكون قد أضافت سابقة أخرى إلى سجلها في "الاستثمار في الأزمات"، أما إذا تحولت الفضيحة إلى مؤشر على حدود القدرة على التصحيح، فإنها قد تمثل بداية مرحلة تختلف قواعدها عما عرفته لحظات ووترجيت وكلينتون، حيث لا يكفي كشف الخطأ، بل يصبح المطلوب إثبات أن النموذج ذاته ما زال صالحًا للقيادة في زمن تتعدد فيه البدائل.