خيّم الحزن على ربوع سيناء مع إعلان نبأ وفاة المناضلة الحاجة فرحانة، الشهيرة بين أهلها بـ"أم داوود" إحدى أيقونات النضال الشعبي في أرض سيناء. جاء رحيلها ليعيد إلى الأذهان سيرة امرأة عاشت بصمت، لكنها تركت أثرًا عميقًا في مسيرة الدفاع عن الوطن خلال سنوات الاحتلال.
رحيل أيقونة الوطنية في سيناء
كانت الحاجة فرحانة نموذجًا للمرأة السيناوية المكافحة، التي جمعت بين الوطنية الصادقة والعطاء المجتمعي، فقد كرّست حياتها لدعم أهلها ووطنها، سواء من خلال دورها النضالي أثناء الاحتلال أو عبر مبادراتها الخيرية، مثل التبرع بخاتمها الذهبى لبناء المستشفى الخيرى، واستقبال طلبة الجامعات وضيوفها في غرفتها، حيث كانت تقضي وقتها بين التسبيح وحرفة التطريز، مؤكدة أن الوطنية لا تغيب عنها لحظة، وأن كل عمل مهما كان بسيطًا يمكن أن يخدم المجتمع والوطن. وغادرت عن عمر يناهز المائة والخمسة، تاركة إرثًا من الشجاعة والعطاء وذكرى خالدة في قلوب أهالي سيناء.
من النزوح إلى ميادين العطاء
وتُعد الحاجة فرحانة واحدة من السيدات السيناويات اللاتي شاركن في دعم أجهزة الدولة خلال فترة ما بعد نكسة عام 1967، حيث اضطرت إلى مغادرة سيناء مع أسرتها وعدد من العائلات إلى محافظات الصعيد والدلتا، قبل أن تعود لتؤدي دورًا وطنيًا بارزًا في خدمة البلاد. وبرغم بساطتها وعدم إجادتها القراءة والكتابة، سخّرت عملها في تجارة الأقمشة والملابس كغطاء للتحرك بين المحافظات وسيناء، ناقلةً معلومات مهمة عن تحركات العدو وتمركزاته خلال سنوات الاحتلال.
تجارة الأقمشة.. غطاء لمهمة وطنية
رغم عدم إجادتها القراءة والكتابة، امتلكت الحاجة فرحانة ذاكرة قوية وقدرة فائقة على الملاحظة والرصد. استخدمت عملها في تجارة الأقمشة والملابس كغطاء للتحرك بين المحافظات وسيناء، ما أتاح لها متابعة تحركات العدو ومواقع تمركزه خلال سنوات الاحتلال.
كانت تحفظ التفاصيل الدقيقة في ذهنها، وتنقلها بدقة إلى الجهات المعنية، مساهمةً في دعم الجهود الوطنية آنذاك. لم يكن الأمر يسيرًا؛ فكل تحرك كان يحمل مخاطرة، وكل معلومة كانت أمانة ثقيلة. لكنها أدّت دورها بإيمانٍ عميق بأن الوطن يستحق التضحية.
صبر وشجاعة وإيمان راسخ
جسّدت الحاجة فرحانة نموذجًا للمرأة السيناوية المكافحة، التي جمعت بين الصبر على الشدائد، والشجاعة في مواجهة الأخطار، والإيمان الراسخ بعدالة القضية. لم تتحدث كثيرًا عن بطولاتها، ولم تبحث عن أضواء الإعلام، لكنها كانت حاضرة في كل مرحلة من مراحل العطاء.
تكريم رسمي وتقدير وطني
تقديرًا لدورها الوطني، وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي بتكريمها، حيث تم إطلاق اسمها على أحد الأحياء في سيناء ومحور بالقاهرة خلال احتفالية اتحاد القبائل العربية والعائلات المصرية بذكرى انتصارات أكتوبر، في رسالة واضحة بأن الدولة لا تنسى أبناءها المخلصين.
كلمات نعي تعبّر عن مكانتها
عقب إعلان وفاتها، توالت بيانات النعي من مختلف الأطياف. فقد نعى عدد من نواب شمال سيناء الفقيدة، مؤكدين أن رحيلها يمثل خسارة وطنية كبيرة. وأكد النائب فايز أبو حرب أن اليوم خسرت سيناء مناضلة ليست لقبيلة الرياشات وحدها، بل لسيناء عامة.
كما أضاف النائب إبراهيم أبو شعيرة أنها “امرأة لها تاريخ مشرّف مع الدولة، ورمز للوطنية الصادقة”، داعيًا لها بالرحمة والمغفرة بقوله: “رحم الله جدتنا فرحانة أم حسين”.
ونعت قبيلة البياضية في بئر العبد الفقيدة، مؤكدةً أنها سجّلت اسمها في أشرف سجلات النضال الوطني، وأنها ستظل مصدر فخر لكل أبناء سيناء.
كما نعت الفقيدة العديد من المؤسسات التنموية العاملة في شمال سيناء، التي أشادت بدورها الوطني وبإسهامها في دعم الاستقرار خلال فترات عصيبة. وأكد رجال القبائل والمشايخ في بياناتهم أن الحاجة فرحانة كانت مثالًا يُحتذى في الإخلاص والوفاء، وأن سيرتها تمثل صفحة مشرقة في تاريخ سيناء الحديث.
وداع يليق بسيدة الكفاح
شارك في تشييع جثمان المناضلة العديد من المشايخ والاهالي كما تحوّل منزلها في الشيخ زويد إلى ساحة عزاء كبيرة، توافد إليها الأهالي من مختلف مدن وقرى شمال سيناء. كان الحزن عميقًا، لكن الفخر كان حاضرًا أيضًا. فقد رحلت الجسد، لكن سيرتها ستظل حيّة في ذاكرة الوطن بينما سيقيم عزائها في مدينة العريش غدا
الحاجة فرحانة: أيقونة النضال الوطني والعطاء المجتمعي في أرض سيناء
برحيل الحاجة فرحانة، تفقد مصر واحدة من بطلاتها المجهولات اللاتي عملن في صمت وإخلاص، تاركةً خلفها إرثًا من الشجاعة والوطنية الصادقة. وستبقى قصتها شاهدًا على أن المرأة السيناوية كانت وما زالت شريكًا أصيلًا في معركة الدفاع عن الأرض والكرامة.
كانت أم داود جزءًا لا يتجزأ من عمليات النضال الوطني في سيناء، فقد كُلّفت في إحدى المهام بنقل خرائط ومعلومات سرية من سيناء إلى القاهرة، حيث كانت تقيم عند المجاهد اشتيوي الحبانين بوسط العريش لاستلام المعلومات. عبر طرق وعرة وخطرة، كانت تمشي مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، مسترشدة بالنجوم لتصل إلى النقاط المتفق عليها مثل منطقة الدهيشة والقصب والهبش، قبل أن تكمل الرحلة بوسائل نقل مختلفة.
وفي حادثة أخرى، أرسلت خريطة لمطار الجورة بالشيخ زويد، مخبأة داخل ثوبها بعد خياطتها، لتصل بها بأمان إلى القاهرة. ولم تقتصر مهامها على الخرائط فقط، بل حملت أيضًا أسلحة وصورًا فوتوغرافية للمستعمرات الإسرائيلية في الشيخ زويد، معتمدة على جسارتها وذكاء تخفيها.
وعند نقطة تفتيش مصرية في القنطرة، اكتشف الضباط فيلمًا مخبأ في "الصوفية" حول وسطها، لكن تقديرًا لشجاعتها وأمانتها، تم تكريمها ومنحها وجبة تكريمية قبل أن تُنقل إلى القاهرة لاستكمال مهمتها. كما كانت ترسل رسائل مشفرة عبر الإذاعة إلى المجاهدين في سيناء، وكان نجاح مهماتها يُحتفل به بتوزيع الحلوى بين المجاهدين، ما يعكس الروح الوطنية والإخلاص الذي تميزت به طوال حياتها.

الحاجة فرحانه
المناضلة الحاجه فرحانه