كان الأديب الكبير عباس العقاد يرى أن الشاعر الحقيقي هو من يلتزم بقواعد الشعر العربي الموروثة من وزنٍ وقافية، معتبرًا أن هذه القيود لا تُقيّد الإبداع، بل تُبرز مهارة الشاعر وتميّزه، وقد أعلن رفضه الشديد لما عُرف بـ"الشعر الحر"، واصفًا إياه بأنه خروج على جوهر الفن الشعري وأصوله.
كما أكّد العقاد على أهمية "الوحدة العضوية" في القصيدة، مشددًا على أن الشاعر الحق لا يكتفي بوصف الظواهر، بل ينفذ إلى جوهر الأشياء ويعبّر عن إحساسه العميق بها.
نظرية الشعر عند العقاد
ووفقًا لدراسة بعنوان "نظرية الشعر عند العقاد"، انتقد العقاد أولئك النقاد الذين يحصرون كل غرض شعري في قالب جامد لا يتجاوزه، ويحددون له معاني وصفات بعينها، وكأن النفوس لا تشعر إلا بطريقة واحدة ولا تعبّر إلا بأسلوب واحد. ورأى أن هذا الجمود دليل على ضيق الأفق وركود الحس، لأن الشعر بطبيعته تنوّع وابتكار لا تكرار ومحاكاة.
ويذهب العقاد إلى أن بعض النقاد قد يُعجبون بشاعر قديم في فن معيّن، ثم لا يرضيهم بعده أي شعر في هذا الفن إلا إذا كان صورة مكرّرة لما أعجبهم سابقًا. ووصف هذا النهج بأنه محاكاة باهتة منقولة "من الورق البالي"، تفتقر إلى الصدق الفني، بل تثير السخرية أحيانًا. وضرب لذلك مثلًا بالأصم الذي أراد أن يخفي صممه في مجلس غناء، فاتفق مع صاحبه أن ينبهه متى وجب الاستحسان، فلما نام القوم وأيقظوه في آخر الليل أخذ يصيح إعجابًا في غير موضع، فلا غناء هناك ولا سامعين.
وخلاصة رأيه أن الشاعر لا ينبغي أن يصف إلا ما رآه أو سمعه أو أحسّ به، ثم تفاعل معه وانفعل به بصدق، وإلا كان من المقلدين الذين لا يعبّرون إلا عن صدى غيرهم.
وفي حديثه عن الكروان، سواء أكان الطائر مصدر إلهام لديوانه أم كان العقاد قد أهداه شيئًا من شعره، فإنه يتساءل: إذا لم يتأثر الشاعر بتغريد الطير، فبماذا يتأثر؟ ويرى أن الطير المغرّد هو تجسيد لمعاني الشعر كلها؛ فهو رمز الطلاقة والربيع والطرب والعلو والموسيقى والتعبير. ومن لا يأنس بصوته، لا يأنس بما في الحياة من طبيعة شاعرة، ولا يتحرك وجدانه لفرح أو جيشان.
ويؤكد العقاد أن الطبيعة هي المعلم الأول للإنسان، ومنها استلهم الفنون التي أحبها، كالرسم والموسيقى والشعر والغناء، فهي أشكال من المحاكاة الواعية التي شعر الإنسان بقدرته عليها وحاجته إليها.
وفي مقدمة ديوانه "وهج الظهيرة"، فنّد العقاد آراء من زعموا أن زمن الشعر قد انتهى، ومنهم الكاتب الإنجليزي توماس بيكوك، الذي رأى أن الشعر أنسب لعصور البداوة منه إلى عصور الحضارة. وردّ العقاد مؤكدًا أن الشعر فن إنساني أصيل، لا تستغني عنه الحياة ما دام في الإنسان حسّ وشعور، وما دامت هناك عواطف تهتزّ وتأثيرات تستثير النفس.
ويختم في مقدمة "هدية الكروان" بأن الطير هو حجة الطبيعة على شعر الإنسان وغنائه؛ فكما تدفع الفطرة الطيور إلى التغريد، تدفع الإنسان إلى التعبير الموسيقي. فإذا قال الجفاة إن الشعر لغوٌ لا طائل منه، أجابهم الشاعر بأن الغناء عنصر من عناصر الطبيعة ذاتها، وأن الطير لا يغني إلا إذا شبع وأمن، وكأن الغناء والتعبير عن الشعور غاية سامية من غايات الحياة، لا يعوقها إلا ما يثقل النفس ويصرفها عن صفائها.