عصام محمد عبد القادر

عيد الحب برهان الصمود

السبت، 14 فبراير 2026 02:38 ص


عاطفة الحب لا ينال منها الزمن، ولا تكسرها مرارة الأيام، ولا تضمحل بالأزمات، ولا تقل بالتحديات، ولا تضمر جراء النوازل؛ لأنها استقرت في الوجدان، وتوحد معها جريان الدماء في الشريان؛ فأضحت نبضات القلوب متناغمة معها، وصار الاشتياق مرتبطًا بها، وبات أمل اللقاء معقود عليها، وأمسى الحنين مرافق لها؛ إنه الإحساس الصادق، الذي لا يحتاج إلى برهان، أو دليل؛ فنبض القلوب، وزلزال المشاعر خير شاهد.

تنضج الفكرة، وتتبدل في سياقها معان، لا حصر لها، وتزداد الخبرة، وتتغير في خضمها الممارسات، وتتأرجح الأماني، وتتناثر الأحلام؛ لكن تبقى عاطفة الحب صامدة؛ كونها عميقة متجذرة، بنيت عن مشاعر صادقة، شكلت خبايا أحاسيس راقية، فصار الرسوخ، والثبات، والاستقرار صفة دائمة تشبه الجبال، وأضحت هادرة مثل الأنهار، وممتدة مثل عنان السماء، وفسيحة مثل الفلاة؛ فمن يدخل واحتها الباسقة، يتذوق معنى الطمأنينة، ويستريح في ظل السكينة، ويتوق إلى المزيد من فيض الحنان.

صدق العاطفة الراقية، نراه في مغزى قيم نبيلة، تترجمها مواقف الحياة المتواترة؛ حيث اتصاف الإيثار، والتحمل، والمثابرة، والصبر الجميل؛ من أجل مَنْ نحب، تعد مؤشرات دلالتها واضحة تجاه المودة، وهنا لا مجال للانتظار في أن نرمم الجراح، ونتجاوز عن الخطأ، ونفتح من الصفحات البيض ما يبعدنا عن الكلل، أو الملل، أو الياس، أو ينتابنا الإحباط؛ فجميل العلاقة تكمن في خلود أثرها لكلا الطرفين، ورقيها في غور الفهم، والتفاهم المتبادل بينهما.

صمود الحب نراها في استثمار مشاعرنا؛ من أجل سعادة من نُكِنُّ له الودّ، ومن ثم نجدد الإرادة، والعزيمة عندما ينتابهما الإنهاك، ونعضد من مستويات المساندة عند الانكسار، ونزيد من واحة الاحتواء عند الغدر، ونقرر البقاء عند اختيار الرحيل؛ إنها عاطفة لا تعرف طريقا للاستغلال، أو مسارًا للتخلي، أو منزعا للهروب؛ لذا فقد أضحت العاطفة مكانتها على مرتفع شاهق، لا يضنيها اضطرابات، وصعوبات، وعثرات مؤقتة، أو دائمة؛ فالحبيب يؤازر مَنْ يميل له القلب، ويحفظ ملامحه الفؤاد.

الحب الصامد تجده بين اثنين، قست عليهما الحياة؛ فتحمّلا رغم النزيف، واستفاقا بعد السقوط؛ فنهضا بإصرار، مواصليَن المسيرة؛ فاستطاعا خلق مبيت هادئ، وسط ضغوط، يصعب وصفها، وحصرها؛ إنها سيطرة القلوب، التي قد نعبر عنها مجازًا بأمر الحب، الذي يحوّل الألم إلى قوة، ويأخذ من الخبرة إلى بوتقة النضج، ويحوّل الصراع إلى سلام داخلي، ويبدل طريق الشرور إلى درب الأمان، والاستقرار، والطمأنينة، والأمل؛ فتصير الأنفس قارة في نوازعها؛ فتأخذ القرار صوب سبل الخير.

استدامة الحب، لا توهنه عواصف الأيام، ومرارتها؛ كونها ساكنة في حرارة الشغف؛ فالوفاء ملامحه تعبر عنه صدق، وصداقة، لا تتغير، أو تتبدل، والخلاف، أو الاختلاف مقرة عمق التفاهم، والمواقف تزيد من ثراء النضج؛ فتضيق ساحة الصراع؛ إذ يصغي الطرفان، وتذوب تفاصيل الشتات؛ لتحمل التقدير، والامتنان، وتؤكد على حسن العشرة، والاختيار، ويصير القرب رحمة، والاحترام، وسام فخر، والتقدير برهان على جودة الاعتراف بالفضل، والمنة.

استقرار وجدانيات تقوم على حب صادق، نحميه عبر بوابة قيم، لا تمت إلى المنفعة بصلة، ولا تقوم على صور مكاسب زائلة؛ فعبر زمن المادية العاتية، لا بد من أن نتحلى بصفاء، ووفاء النفوس؛ لنأخذ من العطاء ما نغذي به ذات، قد اشتاقت إلى من يحتويها بظل المحبة؛ ومن ثم نستثمر في مواردنا؛ كي نحصن بها عاطفة، رسمت ملامحها على كل روافد الأفئدة، وصارت سفينة، تبحر في محيطات أمواج جارفة؛ لكنها تدرك مسار مرفأ مستقرها؛ حيث القلوب النابضة بالحياة.

دعونا نغادر معترك المصالح، ونهرول؛ لنصالح المشاعر، ونبعد عن كل ما يرهق قيم، تجذّرت فينا؛ فالمستهلك إلى زوال، ومنطق العاطفة، لا تحكمها مكاسب، وخسارة الحياة، بل نحافظ عليها بغذاء المودة، والرحمة، والحنان؛ فثروة الحب، لا تُقدّر بأثمان.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.

_

أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة