في كثير من الأحيان لا ننتبه إلا متأخرين إلى أننا قصّرنا في حق أناس كانوا الأقرب إلينا. نركن إلى محبتهم، ونطمئن إلى مكانتنا في قلوبهم، فنتمادى - أحيانًا دون قصد - في الإهمال أو القسوة أو الغياب. نتصرف وكأن رصيد التسامح لديهم لا ينفد، وكأن الغفران حق مكتسب لا يسقط بالتقادم. وهم، كعادتهم، يسامحون.. مرة بعد مرة.
لكن للتسامح طاقة، وللقلب قدرة محدودة على الاحتمال. فمع تكرار الخيبات الصغيرة، تتراكم طبقات غير مرئية من التعب داخل النفس. يبدأ شيء ما في التغير بهدوء: تقل الحماسة، تخفت حرارة المشاعر، ويحل محلها نوع من التبلد الصامت. ليس غضبًا صاخبًا ولا قطيعة معلنة، بل برود ثقيل يخبرنا بأن مساحة العفو التي كانت واسعة بدأت تضيق.
وعندما ننتبه أخيرًا، نهرع بمحاولات الإصلاح. نراجع أنفسنا، نعتذر، ونحاول ترميم ما أفسده التقصير. لكن المفارقة المؤلمة أن هذا الإدراك غالبًا ما يأتي بعد أن يكون الوقت قد مضى. فالمشاعر التي أنهكها الانتظار لا تعود بسهولة إلى سابق عهدها، ومحاولات الترضية — مهما كانت صادقة — قد تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها لأنها جاءت متأخرة.
القدرة على التسامح نعمة إنسانية عظيمة، لكنها ليست دعوة مفتوحة لإساءة استخدامها. هي جسر هشّ يحتاج إلى رعاية مستمرة، وإلى وعي بأن العلاقات لا تعيش على الحب وحده، بل على الاحترام والانتباه والتقدير اليومي. فالتسامح الحقيقي لا يعني احتمال الأذى بلا نهاية، بل يفترض وجود طرف آخر يدرك قيمة ما يُمنح له ولا يستهين به.
لعل الدرس الأهم هو أن نُبادر قبل أن تتآكل المسافات بيننا وبين من نحب. أن نُصلح ونحن ما زلنا نملك فرصة الإصلاح، وأن نُقدّر القلوب التي تغفر لنا قبل أن تفقد قدرتها على الغفران. ففي عالم تتسارع فيه الخسارات، يبقى الحفاظ على دفء العلاقات مسؤولية مشتركة، لا تحتمل التأجيل.