الحب قُرّة عين حياة الإنسان، والوفاء حديثُ الحياء وميزان القلوب الصادقة. ولا يكتمل أحدهما دون الآخر؛ فكلما ازداد التقدير المعنوي المتبادل، ازداد العشق نقاءً، وارتقى رونقه، وتعزّزت تلك المنافسة الرقيقة بين المحبوبين في الإعجاب والاحتواء. وقد رسّخ القرآن الكريم هذا المعنى الإنساني العميق في قوله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]،
حيث جعل الله المودّة والرحمة أساسًا لكل علاقة مستقرة وآمنة.
ويأتي شهر رمضان الكريم ليمنح هذا الحب بُعدًا أعمق، ويحوّله إلى رسالة تربوية تتشكّل في وجدان الأطفال قبل أن تُقال بالكلمات. ففي رمضان، تصفو النفوس، وتلين القلوب، وتعلو قيمة المشاعر الصادقة على المصالح العابرة، تحقيقًا لقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]،
والتقوى هنا لا تقتصر على العبادة، بل تمتد لتشمل تهذيب السلوك، وضبط المشاعر، واحترام الآخر.
وفي هذا الشهر الفضيل، يتعلّم الطفل أن الحب ليس امتلاكًا، بل عطاء، وليس صوتًا مرتفعًا، بل سكينة وأمان. فيرى الحب شبيهًا بقطرات الندى التي تتساقط على الورود مع أول الفجر، فتمنحها حياة جديدة دون ضجيج. وهكذا يدرك الطفل، من خلال القدوة، أن لغة العيون والمشاعر الصادقة أبلغ من الكلمات.
ويتعلّم الطفل أن جوهر العلاقات الإنسانية لا يقوم على الاستغلال المادي، بل على التعزيز المعنوي، حيث يولد نسيم نقي خالٍ من غبار الأنانية. وقد جسّد النبي ﷺ هذا المعنى بقوله: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»،
ليكون السلوك الإنساني داخل الأسرة هو أعظم درس تربوي يتلقاه الطفل دون شرح أو توجيه مباشر.
ومفتاح نجاح أي علاقة إنسانية، خاصة في أجواء رمضان، هو الهدوء، والاستقرار، وفنّ التعامل بالحكمة والصبر. فالصيام لا يعلّم الطفل الامتناع عن الطعام فقط، بل يدرّبه على الصبر، وضبط النفس، والاحتواء، كما قال النبي ﷺ:
«فإذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يرفُث ولا يصخَب»،
وهو توجيه أخلاقي ينعكس مباشرة على سلوك الطفل ووعيه العاطفي.
وفي الأسرة، تتجلّى هذه المعاني بوضوح؛ حيث تتقارب القلوب على موائد الإفطار، ويشارك الطفل في لحظات الدعاء، ويتعلّم الامتنان، وتُغفر الهفوات الصغيرة، فينشأ وهو يشعر بالأمان والانتماء. تمرّ السنين، وتظل تلك اللحظات الرمضانية محفورة في وجدانه، تشكّل شخصيته، وتنعكس على علاقاته المستقبلية.
فالحب، في التربية الرمضانية، ليس كلمة طيبة تُقال للطفل، بل سلوك يُمارس أمامه، ورحمة تُغمر بها روحه، ووفاء يراه واقعًا حيًا. ورمضان هو المدرسة الروحية الأولى التي يتعلّم فيها الطفل أن الحب والوفاء طريقان متلازمان نحو إنسانٍ سويّ القلب، مطمئن الروح.
دينا يحيى الأدغم تكتب: الحب والوفاء فى رمضان.. حين تزدهر الإنسانية بنور الروح
الأربعاء، 11 فبراير 2026 03:53 م
دينا يحيى الأدغم