أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس كلية التربية بنين بالقاهرة – جامعة الأزهر
دعونا نعترف بأن نظرية المعرفة وفقًا لطبيعتها، ومصادرها، وحدودها، ومعاييرها، دخل عليها متغيرات يصعب حصرها؛ ومن ثم بات النظر إليها في إطار شمولي؛ كي نستطيع توظيفها، وتحقيق غايات منشودة، في كافة المجالات العلمية والحياتية على السواء، وبالنظر إلى ما تشهده الحقبة الحالية من تطور في الخدمات التي نتلقاها من مخرجات بنيتنا التحتية؛ فإن الاعتماد عليها كركيزة رئيسة في تصميم التعليم، أضحى أمرًا ملحًا ولا مناص منه؛ كي نكسب خبرات تعليمية تتواكب مع ما يطلبه العصر التقني، من تفردات في مستقبليات سوق عمل يقوم على أدوات متجددة.
تفعيل خدمات الجيل الخامس (5G)، يجعلنا نعيد نظرتنا بشكل متكامل في مجال ما نقوم به من عمليات مقصودة داخل أطر مؤسساتنا التعليمية بمختلف سلمها؛ إذ ينبغي أن نزيد من الفرص للمتعلم، من خلال العمل الجاد نحو تصميم أنشطة تعليمية تفاعلية متنوعة، عبر وظيفية التقنية وأدواتها المتطورة؛ كي نتغلب على الفروق الفردية، ونحدث نقلة تفاعلية عبر بوابة أنماط التغذية الراجعة، التي تراهن عليها المنصات الجاذبة لجيل يعشق البيئة الرقمية، ويؤدي على صفحاتها مهامًا معقدة، نرصد فيها الفكر الابتكاري، ومن ثم نتطلع أن تصبح فضائيات التعليم المصري أكثر ثراءً، بما يشمل العناصر الرئيسة المتمثلة في الأهداف، والمحتوى، والأنشطة، وطرائق التدريس، وأساليب التقويم.
الفكرة التقليدية أكدت على أن تفاعل المتعلمين يصعب أن يتم إلا في بيئة صفية نظامية تقليدية وجهًا لوجه، وبالطبع لا ننكر ولا نقلل ولا نحد من أهميتها؛ لأسباب عديدة يأتي في مقدمتها تغذية الجانب الوجداني لدى الفرد؛ لكن أضحى النشاط التعليمي في خضم سياقه الحديث، يقوم على آليات وممارسات يؤديها المتعلم في صورة مهام إجرائية، يمكن قياسها عبر أطر الرصد المتعددة، المعنية بفلسفة القياس وأهدافه، وهنا يصعب أن ننفذ تلك الأنشطة بعيدًا عن بنية تحتية رقمية ذات جودة عالية، يعول عليها في عمليات التحميل والتواصل؛ كي يستطيع أن يكتسب الفرد الخبرة المنشودة وتفاصيلها في مساق المحاكاة، والواقع المعزز (AR)، والواقع الافتراضي (VR) بما يحدث التعلم العميق ويعزز ماهية التمثيلات العقلية، ويولد أفكارًا مبتكرة.
النشاط التعليمي الرقمي الثري بالوسائط التفاعلية، الذي يتدفق من سياجه صورة الخبرة المراد إكسابها للمتعلم، يسمح لنا بتصميم أنشطة بديلة متعددة الأنماط، شريطة أن تتوافر السعة الترددية، التي تزيد من معدلات التحمل؛ ومن ثم لا ينقطع الخط الفكري للمتعلم أثناء ممارسة المهام الموكلة له، كما يتمكن المعلم من زيادة الدافعية لديه من خلال التعزيز والتغذية المرتدة؛ لذا نتمكن من توظيف النماذج الثلاثية الأبعاد، والمختبرات الافتراضية معقدة التكوين، والفيديوهات التفاعلية، وغيرها من الوسائط والمعينات، بالإضافة إلى أدوات وتطبيقات الذكاء المتعددة، وهنا ندرك الأهمية القصوى لفكرة التواصل والاندماج المعرفي لكل من طرفي العملية التعليمية وعناصرها المتباينة.
تطوير الأنشطة الرقمية عبر بوابات التمدد الرقمي، يجعلنا على يقظة تامة بضرورة تعزيز وجدانيات فلذات الأكباد؛ كي نهجر العزلة الاجتماعية، ونستطيع أن نفعل ماهية الاندماج، وأعتقد أن مهام التعلم المرتبطة بالنشاطات بمختلف تنوعاتها، تمكننا من تحقيق هذا المرمى؛ لكن يتوجب أن نحسن فلسفة تطعيم الأنشطة بقيم نبيلة، تحقق تحمل المسؤولية، وتفعل فلسفة الشراكة والتعاون، وتزيد من الارتباطات الإنسانية البانية لتعضيد الثقة، والاحترام، والتقدير، والامتنان، وتقبل الاختلاف في وجهات النظر، من خلال لغة حوار بناءة، تقوم على معايير محددة، تنسدل من قواعد وآداب، تسهم في ضبط بيئات التعلم الافتراضية والواقعية.
عبر البنية التحتية الرقمية القوية، لا مجال للانتظار عند القيام بمهام أنشطة تقوم على التفاعل اللحظي؛ فلا اضطراب ولا خروج عن مسار محدد، وفق خريطة زمنية تضبط إيقاع اكتساب خبرات التعلم المنشودة، من خلال مقومات تساعد في تحقيق المهام المأمول تنفيذها، وهذا بالطبع يضمن صحة مسارات التقويم، وفق أنماطه، ناهيك عن مسلمة تكافؤ الفرص التعليمية، التي نرصدها في جودة التواصل والاتصال على شبكة المعلومات الدولية، وأعتقد أن الخريطة الزمنية تسمح بتنمية مهارات التفكير العليا لدى الأبناء؛ حيث إتاحة فرص التفكير والتفكر، والتحليل، والاستنتاج، والاستنباط، وغيرها من العمليات العقلية المركبة، بما يفتح المجال للتنافس، وبلوغ بوابات الريادة التعليمية.
الأمل الآن معقود على مناهج ذكية، يتضمن محتواها أنشطة متجددة رقمية، مصبوغة بقيم نبيلة تحولنا من مسار حقن الأذهان إلى قدحها؛ لنتحصل على أفكار رائدة من جيل رقمي واع، بما يسهم قطعًا في نهضة وتقدم هذا الوطن الذي يعيش في قلوبنا جميعًا.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.