سهير القلماوي.. المرأة التي صنعت أول معرض دولي للكتاب في الشرق الأوسط..كتاب "أنا الأولى..ما خفى من حياة الرائدات" يكشف كيف كانت فكرة المعرض حلاً مبتكراً لمشكلات تكدس العمالة فى مؤسسة التأليف والنشر

الأحد، 01 فبراير 2026 08:00 م
سهير القلماوي.. المرأة التي صنعت أول معرض دولي للكتاب في الشرق الأوسط..كتاب "أنا الأولى..ما خفى من حياة الرائدات" يكشف كيف كانت فكرة المعرض حلاً مبتكراً لمشكلات تكدس العمالة فى مؤسسة التأليف والنشر سهير القلماوى

زينب عبداللاه

 

-العميد الإنجليزى حرمها من دراسة الطب فأصبحت أول فتاة تلتحق بالجامعة وأول معيدة وأول صوت إذاعى نسائى وأول حاصلة على الدكتوراة وعلى كارنيه الصحافة وجائزة الدولة التقديرية فى الآداب


- تلميذة طه حسين النجيبة: كنا خمس فتيات ندرس في الجامعة وحين نمشى فى الشارع يتجمهر الناس حولنا

بعد تعيينى معيدة تزاحم الطلبة ليروا الست اللى بتقدم الدرس وكأننا فى حديقة حيوانات

 

تزامنًا مع معرض القاهرة الدولى للكتاب، ننشر فصلًا من كتاب «أنا الأولى.. ما خفى من حياة الرائدات»، عن الدكتورة سهير القلماوى، أول من خطط ونفّذ فكرة المعرض، وكيف تحولت إلى حل ثقافى واقتصادى مبتكر لمشكلات مؤسسة التأليف والنشر.


فى 22 يناير من عام 1969، وبمناسبة مرور ألف عام على تأسيس القاهرة، افتُتح معرض القاهرة الدولى للكتاب لأول مرة، ذلك العرس الثقافى السنوى الذى ينتظره الكبار والصغار كل عام، والذى شكّل وجدان وثقافة الملايين بذكريات لا تُنسى، حتى وصلنا إلى دورته الحالية الـ57.


وراء هذا الحدث الثقافى الكبير تقف امرأة استثنائية، هى الدكتورة سهير القلماوى، التى تولّت رئاسة المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر- التى أصبحت لاحقًا الهيئة المصرية العامة للكتاب- فى الفترة من عام 1967 وحتى 1971، فخططت ونفّذت فكرة إنشاء معرض الكتاب ليكون أول معرض دولى للكتاب فى الشرق الأوسط، وتم افتتاحه فى أرض المعارض بالجزيرة «مكان دار الأوبرا المصرية حاليًا»، وذلك خلال فترة تولى الدكتور ثروت عكاشة وزارة الثقافة.


تتجلّى عبقرية «القلماوى» فى أنها لم ترَ فى المعوقات التى واجهتها أثناء رئاستها المؤسسة أزمة خانقة، بل فرصة خلاقة، فقد كانت المؤسسة تتبعها 7 مطابع، ولها 13 موقعًا، ويعمل بها أكثر من 3000 عامل وموظف، فابتكرت فكرة إقامة معرض دولى للكتاب لاستيعاب هذه الطاقات، واستثمار الإمكانيات البشرية والمادية الهائلة، فجاءت النتيجة حدثًا ثقافيًا شكّل وعى أجيال كاملة، وجعل للثقافة عيدًا سنويًا تحتفى به مصر على مدار أكثر من نصف القرن.
تزامنًا مع انعقاد معرض القاهرة الدولى للكتاب، واحتفاءً وعرفانًا بالدكتورة سهير القلماوى، التى كانت أول من أسس هذا الحدث الثقافى الكبير، وصاحبة الريادة والسبق فى مجالات متعددة، ننشر الفصل الخاص بحياتها ومسيرتها من كتاب «أنا الأولى.. ما خفى من حياة الرائدات»، الصادر عن دار ريشة للنشر والتوزيع، الذى يتناول سِيَر رائدات مصريات كنّ «الأُوليات» فى مجالات شتى.


بين رحابة البيت وضيق المجتمع.. لم تكن «سهير» الطفلة التى ولدت عام 1911 لأب يعمل طبيب جراح وأم تعرف أكثر من لغة وأسرة محبة للعلم، تدرك أن البيت الذى نشأت فيه أكثر رحابة وتحررا من المجتمع حوله، وأن ما تربت عليه فى هذا البيت وتلك الأسرة، من مساواة وعدل بين البنت والولد، لن يتوفر لها خارجه حتى وهى على أعتاب الجامعة، التى تلقت فيها أولى صدمات حياتها، وحالت دون تحقيق حلمها بأن تكون طبيبة مثل والدها، لا لسبب إلا لكونها أنثى.


«كنت أعيش فى أسرة تتمتع بالكثير من التحرر، وفى نفس الوقت تحافظ على القيم والأخلاق لأبعد حدود، لم يكن هناك فرق فى عائلتى بين الرجل والمرأة، ولم يكن جدى يزوج بناته قبل سن الـ20، وكانت أسرتى تتميز بتقدم كبير فى التفكير، والدى طبيب جراح ووالدتى تعرف لغات، والبيئة التى عشت فيها شجعتنى أكمل تعليمى بعد الثانوية العامة، كان حبى وارتباطى بوالدى كبيرا، أفرح حين أناوله أدوات الجراحة، وأجتهد بكل ما فى وأسعى لأكون طبيبة مثله، وكان تفوقى فى العلوم والرياضة يثير إعجاب مدرساتى»..هكذا تحدتث الدكتورة سهير القلماوى، أول فتاة تلتحق بكلية الآداب وتتخرج فى قسم اللغة العربية، وإحدى أوائل الفتيات اللاتى التحقن بالجامعة وأول معيدة وحاصلة على الماجيستير والدكتوراة فى الآداب خلال برنامج «نساء ناجحات»، الذى عرض بالقناة الثانية بالتليفزيون المصرى عن نشأتها.


من الطب لدراسة اللغة العربية.. قضت «سهير» طفولتها وصباها من سن 6 حتى 17 سنة تدرس فى كلية البنات الأمريكية، يبدأ يومها الدراسى من الـ7 صباحا وحتى الـ4 مساءً لا تتحدث إلا باللغة الانجليزية، وطوال هذه السنوات لا تفكر سوى فى أن تنهى دراستها الثانوية لتلتحق بكلية الطب، فى وقت لم تكن الفتيات يلتحقن بالجامعة، دون أن تعرف أنه غير مسموح لبنات جنسها دراسة الطب حتى اصطدمت بذلك، حين تقدمت بأوراقها للجامعة عام 1929.


تحدثت «القلماوى» عن هذه الصدمة بالتفصيل فى كتاب «طه حسين كما يعرفه كتاب عصره» الصادر عن دار الهلال، حيث كتبت تحت عنوان: «أستاذى طه حسين» تقول: «أسبوع فاصل فى حياتى مازلت أذكر أحداثه وأستعيد الإحساسات التى مرت بى فيه، كان ذلك الأسبوع فى شهر سبتمبر عام 1929، وكنت قد قدمت أوراقى لمجلس كلية العلوم فى الجامعة المصرية كما كانت تسمى آنذاك، وكلما سألت عما تم فى شأنها يقال لى: إن العميد الأستاذ بانجهام لم يعد من إجازته ليفصل فى أمرها، وفى أوائل الأسبوع المشهود علمت بوصول عميد كلية العلوم، الذى كان سيقبلنى فى السنة الأولى أو الإعدادية لكلية الطب أو لا يقبلنى، كان بيده فيما كنت أتصور أن يفتح أمامى أبواب مستقبل ظلت أحلامه تداعبنى منذ استطعت أن أتطلع إلى المستقبل حالمة مؤملة، ولكن الأستاذ الإنجليزى سامحه الله عاد وقرر عدم قبولى فى الكلية، واستنجدت بناظرة مدرستى الثانوية وطلبت من العميد موعدا وكانت مقابلة تاريخية فى حياتى».


عرضت «سهير» على عميد الكلية الانجليزى أن يعقد لها امتحانا وإذا لم تنجح بـ80% على الأقل، لا يقبلها، فرفض، فطرحت عليه أن يقبلها تحت التجربة، فإذا لم تنجح بنفس النسبة آخر العام يمكنه أن يفصلها، وهو ما رد عليه العميد بأنه ليس فى القوانين ما يسمح له بذلك، وفى نهاية المقابلة أكد أنه يمكن فقط استقبالها فى معامل الكلية كباحثة حرة.


اقترحت ناظرة المدرسة على «سهير» المصدومة السفر للخارج لدراسة الطب، ولكنها أكدت أن والدها لن يسمح لها  بالسفر فى هذا السن.


طه حسين الأب الروحى.. تكشف «القلماوى»، فيما كتبته عن أستاذها طه حسين، كيف تحول مسار حياتها من حلم دراسة الطب إلى دراسة اللغة العربية والالتحاق بكلية الآداب، موضحة أن قريبا لها كشف بعد يومين من هذه المقابلة أن مجلس الجامعة كان متعاطفا مع طلبها، ولكن العميد الإنجليزى هدد بالاستقالة إذا قبلت طالبة بكلية الطب، وقبل أن تغرق «سهير» فى اليأس والحزن، اقترح قريبها أن يزورا صديقه الدكتور طه حسين فى بيته لتأخذ منه المشورة.
«كنت أقرأ لأبى بعد أن ضعف بصره مقالات طه حسين والعقاد وهيكل، وكان رحمه الله يصلح من لغتى ويهذب من لهجتى ويعلمنى الإعراب، ويحيلنى إلى كتبه لأقرأ مزيدا من شعر ونثر عربيين قديمين، ولكنى لم أكن أحب من كل هذا شيئا، لأننى كنت أسعى لأكون طبيبة»..هكذا وصفت «سهير» علاقتها باللغة العربية، وفكرتها عن الدكتور طه حسين قبل أن تقابله.


تصف إحساسها عندما ذهبت لمقابلته قائلة: «ذهبت إلى منزل طه حسين فى مصر الجديدة قرب دير الرهبات، وأحسست بالخشية والخوف، وزاد خوفى لما وجدت فى غرفة الاستقبال زوارا لا أعرفهم، ولكن خالى همس يشجعنى وما إن خلت الغرفة قليلا حتى بسط لطه حسين قصتى، فإذا هو يعرفها، وإذا هو يقول: ماذا عليك أنا أقبلك فى كلية الآداب وفى قسم اللغة العربية وستجدين بغيتك فى تشريح جرير والفرزدق، وضحك ولم أفهم شيئا»، وأجابت «سهير» مندهشة: ماذا قسم اللغة العربية؟! إنه انتحار لأنى حتما سأرسب إلى ما شاء الله، فقال عميد الأدب العربى الذى كان وقتها عميدا لكلية الآداب: ماذا.. ألا يعجبك أن أدرس لك؟! فردت «القلماوى» فى تلعثم: أبدا.. هذا شرف كبير، وضحك طه حسين فى حنان.


ومنذ هذه اللحظة نشأت علاقة قوية بينها وبين أستاذها طه حسين، الذى أصبح بمثابة أبيها الروحى، ووصفت ذلك قائلة:«أحسست من وراء ضحكه روحا حلوة وقارنته بأبى، فإذا فيه الكثير منه، ودار كلام كثير وأنا أحاول أن أجمع شتات نفسى، لأتبين ما أنا مقبلة عليه، فقال لى: غدا فى كلية الآداب الساعة العاشرة موعدنا».


معاناة أول فتاة جامعية.. تؤكد فى حديثها ببرنامج «نساء ناجحات» أنها قدمت أوراقها للجامعة فى مايو، بينما كانت نتيجة زميلاتها الـ4 نعيمة الأيوبى وفاطمة سالم وزهيرة عبدالعزيز وفاطمة فهمى، اللاتى كن أول دفعة بنات يلتحقن بالجامعة ستظهر فى أغسطس، لتكون بذلك أول فتاة تتقدم للالتحاق بالجامعة المصرية، وبعد صعوبات تم قبولها بمساعدة أستاذها طه حسين فى قسم اللغة العربية بكلية الآداب، وكانت الطالبة الوحيدة بالقسم لمدة 4 سنوات.


عانت سهير كثيرا فى بداية التحاقها  بالجامعة، سواء فى التأقلم على دراسة الأدب العربى لطالبة درست كل علومها بالإنجليزية أو من دهشة المجتمع واستنكاره لالتحاق فتيات بالجامعة المصرية، ووصفت ذلك فى مقابلتها التليفزيونية قائلة: «كنا 5 فتيات فقط ندرس فى الجامعة، نشعر وكأننا على خشبة مسرح والناس بتتفرج علينا، نمشى فى الشارع فيتجمهروا علينا فى الشوارع المجاورة للجامعة ويهتفوا ويشيروا إلينا».


فيما يقول الكاتب يوسف القعيد، خلال حوار تليفزيونى مع برنامج «المساء مع قصواء» عام 2019: «حكت لى الدكتورة سهير القلماوى تلميذة طه حسين، وهى أول فتاة تدخل جامعة فؤاد الأول، أنها كانت تتعرض لمضايقات من الطلاب ليس لأنهم غير مؤدبين، ولكن لأنه كان من غير المألوف أن تذهب بنت للجامعة، فأمر لها طه حسين بحراسة تصحبها من كلية الآداب حتى بيتها، وتأتى بها من بيتها إلى الجامعة حتى لا تفشل تجربتها، فلا تلتحق بنات أخريات بالجامعة، إلى أن اعتاد الناس وبدأ غيرها يلتحقن بالجامعة».


تصف «القلماوى» الصعوبات العلمية التى واجهتها فى التأقلم مع دراستها الجديدة، قائلة: «بدأت حياتى فى الجامعة بتحد معجز، وأول موضوع عن طرفة بن العبد كتبته بالإنجليزية ثم ترجمته للغة العربية، لأنى كنت لا أستطيع التعبير باللغة العربية بسهولة، رغم أنى كنت أقرأ القرآن الكريم والتفاسير مع والدى، وأقرأ الجرائد ومقالات طه حسين والعقاد، لكنها كانت قراءة هاوية، ويعود الفضل لأساتذتى فى الجامعة الذين أحاطونى بكل رعاية، ولأستاذى طه حسين الذى أحال يأسى إلى أمل، وما شكوت له عسرا حتى أحاله فى حنان الوالد إلى يسر، وكان يأخذنى باللين أحيانا، وبالشدة أكثر من غيرى فى أحيان أخرى».


سهير رمز النهضة.. بذلت «سهير» مجهودا مضاعفا فى الدراسة حتى إن أساتذتها كانوا يقولون لها لو كانت درجتك على قدر مجهودك لاستحققت 200%، فتفوقت وتعلمت الكثير من أستاذها طه حسين، الذى كتبت عنه تحت عنوان «أستاذى طه حسين» تقول: «كان يفتح لنا أفقا ويمزج بين أطراف الموضوع، وما يمكن أن يتصل به من موضوعات فى قدرة عجيبة، صاحب أفكار جديدة لماحة مضيئة، علمه الدقيق المتخصص وثقافته الواسعة يتداخلان بشكل رائع فيلهما طلابه دائما».

2024-638571100350252300-25
سهير القلماوى

وتابعت: «مرت الأيام ودخلت معه قاعة الدرس معيدة، وهنا اطلعت على بعض عاداته كأستاذ، لم يكن يدخل قاعة الدرس قبل أن يعد درسه ويقرأه من جديد، علمنا أن نجل الدرس ونحترم مقامه،علمنا كثيرا غير العلم المدون فى الكتب، وكيف نعشق الآفاق الرحبة، ونفتح أذهاننا لكل جديد ولا نحكم على شىء قبل أن نعرفه، وأن نحب الحياة فى تجددها وننتصر لها على مظاهر الجمود والشلل والموت، ما اعتذر يوما عن درسه إلا مضطرا أشد الاضطرار، وما دخل درسه إلا فى ميعاده».


احتفت الصحف بتخرج سهير القلماوى التى أصبحت رمزا لنهضة الفتاة وتصدرت صورتها الجميلة مجلة العروسة فى عددها رقم 457 الصادر بتاريخ 1 نوفمبر عام 1933 تحت عنوان: «نهضة الفتاة المصرية.. حديث مع الآنسة سهير القلماوى»..للأستاذ حسن مظهر، ومضت المجلة تصف جمال وثقافة الفتاة التى تخرجت فى الجامعة وعينيها النجلاوين اللتين تلمعان ببريق الذكاء والعرفان، وفمها الدقيق الرقيق الذى تنطلق منه الكلمات فى قالب خطابى، وخطواتها التى تشبه الألحان، وشعرها الفاحم وهندامها الذى يتماشى مع الموضة، ووجها الجذاب وقوامها الرشيق وإلقاؤها الرصين الذى يجبر على الإنصات والتقدير، وظرفها الرائع وحياؤها الجم، ومنطقها السديد البليغ، فتقول المجلة: «تلك هى الأديبة المهذبة الفاضلة الآنسة سهير القلماوى أولى الناجحين فى ليسانس قسم اللغة العربية بكلية الآداب فى العام الماضى، التى آثرت الاشتغال بالصحافة، لأنها رأت فيها المجال الفسيح لخدمة بلادها وبنات جنسها، فأسهمت فيها بقلمها وفكرها وجنانها، عاملة دائبة على إنهاض الأسرة والمجتمع المصرى».


وتابعت مجلة العروسة التى أجرت حوارا مع القلماوى:«قابلناها فراعتنا منها ثقافتها ورقتها ونبالة أخلاقها وإحساسها، ورأينا فيها الفتاة المثلى الجامعة بين جمال المرأة وعقل الرجل، وأجرينا معها حديثا افتتحناه باستطلاع رأيها فى المرأة المصرية الحديثة وسبل إنهاضها، فقالت: «المرأة اليوم فى دور انتقال مهم، ظهرت طلائعه القوية عقب الثورة المصرية، وهى محتاجة فى تطورها إلى جهود شديدة تنفق لصقل إدراكها وتوجيهه والوصول بها إلى الكمال المنشود، وليست هذه الجهود التى أعنيها مقصورة على التعليم المدرسى فحسب».


وضعت المجلة صورة جميلة لـ«القلماوىى وتحتها تعليق: «الأديبة النابغة الآنسة سهير القلماوى أول صحفية مصرية من خريجات الجامعة المصرية»، فالقلماوى أول فتاة تحصل على رخصة الصحافة فى مصر.


الأولى دائما.. كتبت «القلماوى» بعد تخرجها فى العديد من الصحف، وقالت خلال حديثها ببرنامج «نساء ناجحات»:«تركت الطب واتجهت للغة العربية وقدرت أثبت وجودى أفضل مما كنت اشتغلت طبيبة، وتخرجت فى الجامعة وأملى أعمل جريدة سياسية يومية، وقعدت حوالى 4 سنوات أكتب فى جميع الجرايد، ولا تقتصر كتاباتى على الأدب، فكنت أترجم وأكتب موضوعات مختلفة، واكتشفت أن الأحلام لجريدة يومية سياسية أمر صعب لن أستطيع تحقيقه»،


تتحدث عن عملها كأول معيدة ومحاضرة بالجامعة عام 1936 وما واجهته من صعوبات فتقول: «أغرونى بالتدريس بالجامعة علشان أسافر باريس وبدأت مرحلة مختلفة جدا فى حياتى بالتحاقى بوظيفة معيدة، وعرفت معنى الالتزام بالعمل، اتعينت معيدة وخلال 8 أشهر أتممت رسالة الماجيستير، مكانش فى سيدات يقمن بالتدريس فى الجامعة، فقلت آخد محاضراتى بعد الظهر حتى أتجنب المظاهرات والتجمهر ودوشة الطلاب، فكانت النتيجة أسوأ، كان الطلبة يتزاحمون فى المحاضرات علشان يتفرجوا على الست اللى بتقدم الدرس، وكأننا فى حديقة حيوانات، وكنت أبذل مجهودا ً كبيرا حتى أسيطر على المحاضرة، لدرجة أننى عندما انتهى من المحاضرة مقدرش أخرج أواجه الشارع، لأنى بكون مضطربة جدا، وساعات كنت أطلع أبكى فى أوضة الأساتذة، واستمر هذا الوضع لثلاث أو أربعة محاضرات حتى استطعت السيطرة على الموقف».


«فى الجامعة، أرغمت على أن أشعر بأنى مخلوق أقل قيمة من الطالب لمجرد أنه ذكر وأنا أنثى، وبعض الأساتذة حاولوا أن يدخلوا فى روعى أن هذا من الدين، وتبحرت فى هذه الناحية بشكل قوى، ووجدت أن الدين يقر المساواة بل تفضيل للمرأة».


كان موضوع رسالتها للماجيستير عام 1937 حول «أدب الخوارج فى العصر الأموى» وكانت البلاد وقتها تموج بالمظاهرات السياسية، كما ذكرت الكاتبة سناء البيسى فى مقال بالأهرام بعنوان: «سهير القلماوى سيدة الكتاب»، وكان الطلبة يخرجون فى تظاهرات بين وقت وآخر، وعقد الامتحان فى مدرج بكلية الآداب، وفوجئت «القلماوى» بالطلبة يخرجون من مدرجاتهم ويتجمعون فى مدرج الامتحان وينضم إليهم طلبة الأزهر، وأخذوا يهتفون وازدادت ثورتهم عندما عرفوا بموضوع الرسالة «أدب الخوارج» واضطر الأساتذة لتهريبها إلى حجرة صغيرة لم تضم أكثر من 60 شخصًا لاستيفاء شرط العلانية، وامتحنت فى ذلك اليوم ونالت درجة الماجستير رغم الضجيج خارج جدران الكلية.

1
 


تكشف أنها كانت من أوائل الأصوات النسائية التى انطلقت من الإذاعة المصرية بعد افتتاحها: «تلقيت دعوة من إذاعة الـ«بى بى سى» لأقول حديثا فى الإذاعة بلندن، ورجعت بعد 25 يوما، وقبلها عندما افتتحوا الإذاعة المصرية عام 1934، وكانت الـ«بى بى سى» تشرف عليها مع الحكومة المصرية، بحثوا عن سيدات يعرفن الكتابة، وكان عددنا قليلا جدا لا يتجاوز 2 أو 3 وعملوا لى امتحان صوت وخدونى أقول أحاديث فى الإذاعة، وكان ذلك فى مايو 1934».. وهكذا كانت «القلماوى» أول النساء اللاتى تحدثن فى الإذاعة، وتزامنا مع ذلك أصدرت كتاب «أحاديث جدتى» عام 1935.


الزوجة والأم.. سافرت «سهير» فى بعثة كان مقررا أن تكون مدتها 4 سنوات، ولكن بعد عامين قامت الحرب العالمية الثانية فعادت إلى مصر قبل أن تكمل الدكتوراة، تقول خلال البرنامج الذى تم تصويره فى بيتها، فتظهر رفوف الكتب فى كل مكان: «استفدت خلال هذه الفترة بما يوازى عشرات السنوات، وتعلمت من أساتذتى هناك الذين فتحوا لى بيوتهم ومكتباتهم، واطلعت بشكل واسع على مكتبات خاصة وعامة فى باريس وروما ولندن، وبعد عودتى من البعثة، وفى السنة التى حصلت فيها على الدكتوراة من مصر تزوجت، وأثمر زواجى عن ولدين بينهما 4 سنوات، ونظرا لأننى تعبت حتى أنجبت، دلعتهم جدا، والحمد لله كلاهما نجح فى حياته، أحدهما مهندس والآخر طبيب، حيث اتفقت أنا ووالدهما على أسلوب واحد للتربية، وهو ألا نقول لهما كلمة «لا» إلا مضطرين، أمى ربتنى على القسوة وعلى الترتيب والأصول، ولأنى عانيت من ذلك، أعطيت لأولادى حرية كبيرة، واتبعت سياسة أن الابن يعمل اللى هو عاوزه مش اللى أنا عاوزاه، ومع ذلك عودتهم الاعتماد على النفس والمجهود».


تزوجت «سهير» من زميلها الدكتور يحيى الخشاب، وحصلت على الدكتوراة عام 1941 لتكون أول مصرية تحصل على هذه الدرجة العلمية، وكان لها الريادة فى العديد من المجالات الثقافية والعلمية، وطبقا لما أوردته الكاتبة الصحفية سناء البيسى فى مقالها، فإن «سهير» أول طالبة مصرية تحمل كارنيه الصحافة.


أول معرض للكتاب.. تحدثت «القلماوى» خلال برنامج نساء ناجحات عن رئاستها لمؤسسة التأليف والنشر، موضحة أنها كانت مؤسسة تتبعها 7 مطابع ولها 13 موقعا ويعمل بها أكثر من 3 آلاف عامل وموظف، وكيف تعاملت مع المشكلات التى واجهتها واستعانت بأفضل الماكينات والمعدات وبدأت طباعة كتب الأطفال الملونة، وكيف قد تعاملت مع هذا العدد الضخم من العمالة بإيجاد أعمال جديدة من طبيعة عمل المؤسسة، ومن هنا لمعت فى ذهنها فكرة إقامة معرض الكتاب لتخصص عددا من الموظفين للعمل طوال السنة فى كل ما يخص المعرض، وكيف منحت موظفى الهيئة مزايا كانت تمنحها للموزعين للقيام بتوزيع الكتب والحصول على النسبة التى يحصل عليها الموزع، واهتمامها بكتب الأطفال وحرصها أن تكون رخيصة الثمن.


وفى 4 مايو 1997 رحلت الدكتورة سهير القلماوى بعد رحلة عطاء علمى وثقافى، كانت فيها الرائدة الأولى فى العديد من المجالات، وفتحت أفاقا جديدة لبنات جنسها لم يسبقها إليها أحد.

سهير القلماوى (1)
سهير القلماوى (1)

 

سهير القلماوى (2)
سهير القلماوى (2)

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة