لم يعد الذكاء الاصطناعي يُطرح اليوم بوصفه تقنيةً مساعدة أو أداةً وظيفية فحسب، بل غدا يُنظر إليه بوصفه ظاهرةً معرفية مركّبة تفرض إعادة النظر في جملة من المفاهيم التي طالما اعتُبرت حكرًا على التأمل الفلسفي، وفي مقدمتها مفاهيم العقل، والفهم، والمعنى، والوعي. فقد أسهم التقدم المتحقق في بناء أنظمة قادرة على معالجة اللغة، والتعرف على الأنماط، وتوليد استجابات معقدة، في إخراج الذكاء الاصطناعي من نطاقه الهندسي الضيق إلى فضاء أوسع، تتجاور فيه الحسابات الرياضية مع الأسئلة الأنطولوجية، وتتصادم فيه صرامة الخوارزمية مع قلق السؤال الفلسفي.
ومن ثم، لم يعد السؤال المركزي يدور حول مدى كفاءة هذه الأنظمة فحسب، بل حول طبيعة ما تقوم به على وجه الدقة، وما إذا كان من المشروع إسناد أوصاف معرفية إليها، أم أن ذلك ينطوي على خلط مفهومي يهدّد وضوح التفكير ذاته.
يقوم الذكاء الاصطناعي، في أساسه العلمي، على افتراض قابلية بعض أوجه النشاط العقلي للتمثيل الصوري والحسابي. وقد تبلور هذا الافتراض مبكرًا مع أعمال آلان تورينج Alan Turing، الذي اقترح تصورًا إجرائيًا للتفكير بوصفه سلسلة من العمليات القابلة للتنفيذ الآلي. ولم يكن هدف تورينج إثبات أن الآلة تفهم بالمعنى الإنساني، بل بيان أن السلوك الذي نعده ذكيًا يمكن محاكاته حسابيًا.
غير أن هذا التمييز الدقيق بين المحاكاة والامتلاك الفعلي للحالات الذهنية تلاشى تدريجيًا مع توسّع الخطاب التقني والإعلامي، ليحلّ محلّه خطاب يوحي بأن الأداء الوظيفي المكثف قد يكون معادلًا للفهم ذاته، أو بديلاً عنه.
ومع تطور تقنيات التعلّم الآلي، ثم التعلم العميق، اتخذ الذكاء الاصطناعي مسارًا مغايرًا للنماذج الرمزية الأولى. فقد أصبحت الأنظمة قادرة على استخلاص البنى والأنماط من البيانات دون الحاجة إلى قواعد مصاغة صراحة. وأسهمت أعمال باحثين مثل جيفري هينتون Geoffrey Hinton ويان لوكون Yann LeCun في ترسيخ هذا التوجّه القائم على الشبكات العصبية الاصطناعية.
غير أنّ هذا التحوّل، على الرغم من فعاليته التطبيقية الواسعة، لم ينهي الإشكال الفلسفي، بل أعاد صياغته بصورة أكثر تعقيدًا، إذ بات السؤال يدور حول ما إذا كان التعلّم الإحصائي المكثّف يمكن أن يرقى إلى مستوى الفهم، أم أنه يظلّ حبيس الارتباطات الاحتمالية، مهما بلغت درجة دقته ونجاعته.
في هذا السياق، يبرز اعتراض جون سيرل John Searle بوصفه أحد أكثر الاعتراضات الفلسفية تأثيرًا في هذا المجال. فحجّته المعروفة، التي صاغها من خلال تجربة "الغرفة الصينية"، لا تستهدف كفاءة الأنظمة الحاسوبية، بل تفكيك الادعاء القائل بأن معالجة الرموز تكفي لإنتاج المعنى.
فالنظام، وفق سيرل، قد يتعامل مع الرموز بنجاح تام من الناحية التركيبية، دون أن يمتلك أي وعي دلالي بما تشير إليه تلك الرموز. ومن ثمّ، فإن ما تنتجه الآلة لا يتجاوز محاكاةً للفهم، لا الفهم ذاته. وتكمن أهمية هذا الاعتراض في كونه لا يعتمد على حدود تقنية قابلة للتجاوز، بل على تمييز مفهومي بين البنية الصورية والقصدية العقلية.
وتتجلّى هذه الإشكالية بوضوح أكبر حين ننتقل إلى مجال اللغة. فاللغة، في المنظور الفلسفي، ليست مجرّد نسق من القواعد النحوية أو العلاقات الإحصائية بين الكلمات، بل ممارسة اجتماعية وتاريخية متجذّرة في أنماط الحياة الإنسانية.
وقد بيّن لودفيج فيتجنشتين Ludwig Wittgenstein أن المعنى لا يُختزل في البنية الصورية للغة، بل يتحدّد من خلال الاستعمال داخل ما أسماه "أشكال الحياة". ومن هذا المنظور، فإن قدرة الأنظمة الذكية على إنتاج نصوص متماسكة لا تعني أنها تشارك في اللعبة اللغوية ذاتها التي ينخرط فيها الإنسان، لأن هذه اللعبة تفترض قصدًا وسياقًا وخبرةً معيشة لا يمكن تمثيلها حسابيًا على نحو مباشر.
ولا يتوقف القلق الفلسفي عند حدود اللغة، بل يمتدّ إلى طبيعة العقل ذاته. فقد شكّك عدد من فلاسفة العقل المعاصرين في إمكان فصل الذكاء عن الجسم. وأكدت باتريشيا تشرشلاند Patricia Churchland أن العقل ليس كيانًا مجرّدًا يمكن نقله أو نسخه، بل وظيفة ناشئة عن بنية عصبية بيولوجية معقّدة تشكّلت عبر مسار تطوّري طويل.
ووفق هذا التصوّر، فإن اختزال العقل إلى خوارزميات يتجاهل الأبعاد العصبية والجسمية والانفعالية التي تمنح الإدراك طابعه الإنساني المتفرّد.
ويعزّز هذا الموقف ما طرحه أنطونيو داماسيوAntonio Damasio، الذي بيّن أن الانفعال ليس عنصرًا ثانويًا في النشاط العقلي، بل مكوّنًا بنيويًا في بناء المعنى واتخاذ القرار. فالعقل، في هذا الإطار، ليس آلةً حسابية محايدة، بل منظومة متشابكة من العمليات العصبية والجسمية والوجدانية. وبما أن الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى هذه الأبعاد، فإن أقصى ما يمكن أن يبلغه هو تحسين الأداء الوظيفي، لا إنتاج الخبرة الواعية.