ارتبط مفهوم الوساطة في العديد من المواقف والقضايا الدولية بأطراف تبدو على قدر من الحياد، وهو ما بدا واضحا في مواقف العديد من القوى الإقليمية التي سعت إلى القيام بهذا الدور، خلال العقود الماضية، وعلى رأسها مصر في العقد الأخير من القرن الماضي واوائل الجاري، فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، حيث ساهمت معاهدة السلام في إضفاء صبغة حيادية على الدور المصري، دفعته إلى التداخل الفعال، والذي ساهم في بناء شرعية جغرافية للدولة الفلسطينية عبر حل الدولتين، والقائم على تأسيس الدولة الفلسطينية على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، بالإضافة إلى دور واضح على خط المواجهات المسلحة بين إسرائيل والفصائل في غزة عدة مرات، كانت تنتهى في كل مرة بالوصول إلى هدن مؤقتة ووقف لإطلاق النار.
ولعل الارتباط المباشر بين حيادية الوسيط والنظام العالمي، يعكس الدور الذي تقوم به القوى الدولية المهيمنة، وهي الولايات المتحدة، ومن ورائها الغرب الأوروبي، والذي لم يكن يهدف في الأساس إلى الوصول إلى صيغة الحل النهائي للصراع، وإنما في واقع الأمر إلى إدارته، والسيطرة على وتيرته صعودا وهبوطا بحيث لا يخرج عن إطار معين، يمكن من خلاله تحقيق اكبر قدر من المكاسب السياسية، والتي تتمركز في واقع الأمر على الاحتفاظ بالنفوذ الأمريكي في المنطقة من بوابة قضيتها المركزية، وهو ما نجحت فيه واشنطن، بفضل الظروف الدولية، وغياب منافسة حقيقية من قبل أي دولة في مزاحمتها على القيام بهذا الدور، سواء في الشرق الأوسط أو غيره من مناطق العالم.
إلا أن مفهوم الوساطة بات متغيرا، في ضوء الكثير من المعطيات، أبرزها مرحلة المخاض التي يشهدها النظام العالمي، في ضوء صعود قوى دولية، يمكنها المشاركة في صناعة القرار العالمي، على غرار روسيا والصين، ولديها مواقف مختلفة وربما متعارضة مع الموقف الأمريكي، بالإضافة إلى انقسام الغرب نفسه مع تضارب المصالح بين أمريكا وحلفائها في أوروبا الغربية، ناهيك عن حالة الترهل الأممي جراء تراجع الدور الذي تقوم به الأمم المتحدة، وبالتالي لم تعد حالة الحياد المطلق مؤهلا كافيا للدولة، أو حتى مناسبا، حتى يمكنها ممارسة دور الوسيط فيما يتعلق بالقضايا الدولية الكبرى.
والواقع، ان الاختلاف الرئيسي بين الأوضاع العالمية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة (1991 - 2003)، والمرحلة الراهنة، يتجلى في وجود حد أدنى من الاستقرار، فالتدخل العسكري المباشر كان شبه معدوم، وهو الأمر الذي تغير تدريجيا بعد ذلك مع الغزو الأمريكي للعراق ثم حرب اسرائيل مع حزب الله في لبنان في 2006، ثم الانقسام الفلسطيني في 2007، وما تلا ذلك من سلسلة من العمليات العسكرية الاسرائيلية في غزة ضد الفصائل الفلسطينية، ناهيك عما طرأ على الإقليم من متغيرات خلال ما يسمى بـ"الربيع العربي" وما تبعه من فوضى إقليمية.
إلا ان الحرب الاسرائيلية على غزة في 2023 وما تلاها من اعتداءات على دول الإقليم، تفتح الباب أمام تساؤلات حول الدور الذي ينبغي ان يقوم به الوسيط، خاصة وان الأحداث التي هيمنت على المنطقة خلال عامين كانت كاشفة إلى حد كبير للعديد من الحقائق، أبرزها ان الاستقرار الإقليمي حتى في صورته الهشة لم يعد مضمونا، في ضوء تغير الأولويات لدى القوى الدولية الكبرى، والتي باتت تفكر بالأكثر في الاحتفاظ بمكانتها الدولية في العديد من مناطق العالم، دفعت إلى تغيير ملموس في طبيعة العلاقة مع الحلفاء والخصوم على حد سواء، وهو ما تجلى في أبهى صوره مع بداية الأزمة في القطاع مع التراجع الكبير في دور أمريكا في احتواء حليفتها المدللة، في ضوء انشغالها بالأزمة الأوكرانية، وهو الأمر الذي صححته بصورة كبيرة، بعد ذلك مع نجاح الرئيس دونالد ترامب في فرض خطته، مستمدا قوته مما حظت به رؤيته من شرعية إقليمية ودولية.
غياب الضمانة الحقيقية للاستقرار الإقليمي، ساهم في تغيير مؤهلات الوسيط، بحيث يكون قادرا على ملء الفراغ الناجم عن ابتعاد او تراجع الدور الذي تلعبه القوى الدولية، وهو ما لم يعد مرتبطا بحياد الوسيط بقدر ما يرتبط بتأثيره وقدرته على الحشد الدولي، ليس في صالح طرف من أطراف الصراع، إنما لتحقيق الاستقرار الجمعي في الإقليم بأسره، وهو ما يمكن استلهامه في طبيعة الدور المصري خلال أزمة غزة.
ففي الحالة الفلسطينية، باعتبارها النموذج الأبرز دوليا، على الأقل في منطقتنا، نجد أن ثمة تغييرات عميقة في طبيعة الدور الذي لعبته مصر، والذي دحض الرواية الاسرائيلية القائمة على ذريعة "الدفاع عن النفس"، دون التخلي عن موضوعيته، عبر العديد من المسارات، أبرزها ارتباط الاستقرار الإقليمي بالقضية الفلسطينية برمتها باعتبارها القضية المركزية، مع تعزيز الشرعية الدولية القائمة على حل الدولتين، وبالتالي رفض دعوات التهجير والفصل الجغرافي، وهي أمور غير قابلة للتفاوض في الرؤية المصرية والإقليمية، مع العمل على حشد دول العالم وراء هذه الرؤية، وهو ما حقق نجاحا كبيرا على الصعيد الدبلوماسي، تجلى في سلسلة الاعترافات المتواترة بالدولة الفلسطينية من دول محسوبة على المعسكر الموالي للدولة العبرية.
الخطورة الحقيقية في دور الوسيط بصورته الجديدة، تتجلى في العديد من الأبعاد، منها خروجه من المنطقة الرمادية التي يظللها الحياد، إلى المواجهة المباشرة، وهو ما يتطلب ثقل دبلوماسي وتأثير لا يقتصر على أطراف الصراع وإنما عمليا يتطلب نفوذا اقليميا يمكن من خلاله تحقيق اجماع حول الثوابت، وجغرافيا عبر حشد مناطقه الجغرافية الأخرى التي لا ترتبط مباشرة بالصراع، بالإضافة إلى ثقة دولية كبيرة في قدرة الوسيط على إدارة الصراع نحو حلول تفضي إلى استقرار جمعي، مع الاحتفاظ بحقوق كل الأطراف في تحقيق الأمن وعدم التعرض لتهديدات تنال من سلامة مواطنيه.
والوساطة هنا خرجت من المفهوم التقليدي، والذي يقوم على وجود طرف من شأنه فض حالة التشابك اللحظي، بين طرفين، في إطار قضية بعينها، نحو رعاية أوسع نطاقا، بينما لا تقتصر الرعاية على القضية، وإنما تمتد إلى حالة الاستقرار الإقليمي برمته، وهو ما يعكس نطاق المسؤولية الملقاة على كاهله، خاصة مع غياب التوازن الدولي، جراء غياب الضامن الفوقي، والذي كان يدير العالم بمفرده خلال العقود الأخيرة، وبالتالي فإن الوسيط لم يعد محايدا وإنما بالأحرى منحازا، وانحيازه ليس لطرف على حساب الآخر، وإنما في واقع الأمر انحيازا للاستقرار والأمن الجمعي، في ضوء ما تمثله المستجدات الإقليمية من تهديدات صريحة لكل أطراف المعادلة الإقليمية.
وهنا يمكننا القول بأن الوساطة لم تعد فعلاً دبلوماسيا تقليديا يقاس بدرجة الحياد، بقدر ما أصبحت قدرة على إدارة الفراغ في لحظات الانكشاف الدولي، فالحياد ربما يكون كفيلا في فض اشتباك لحظي، بصورة مؤقتة، بينما يبقى الدور الجديد للوسيط هو تحقيق حالة مستدامة من الاستقرار، وهو ما يفسر تصاعد أدوار قوى إقليمية بعينها تمتلك من الثقل والمصداقية ما يسمح لها بالتحرك خارج القوالب القديمة، فالتجربة المصرية في إدارة أزمة غزة تعكس تحولًا جوهريًا في مفهوم الوسيط، من طرف محايد يراقب الصراع، وينتظر المواجهة المباشرة حتى يبرز دوره إلى فاعل إقليمي يسعى لتثبيت الاستقرار باعتباره مصلحة جمعية لا تخص طرفًا بعينه، وهذا الدور، بما يحمله من كلفة سياسية وضغوط دولية، لا يقوم على الانحياز، وإنما على إعادة ترتيب الأولويات، وربط الأمن الإقليمي بالشرعية الدولية والواقع الجغرافي، وهو ما يجعل الوساطة في صورتها الجديدة اختبارا لقدرة الدول على الجمع بين التأثير والمسؤولية، لا بين الحياد والصمت.